اتساع رقعة الحرب الإسرائيلية الإيرانية وأزمة مضيق هرمز: تحليل المخاطر الجيوسياسية
الملخص التنفيذي
بعد مرور أكثر من أربعة أشهر على اندلاعها في فبراير 2026، تتصلب الحرب الإسرائيلية الإيرانية لتتحول إلى مواجهة حول السيطرة على مضيق هرمز. ورغم أن الولايات المتحدة فقدت الدافع الاقتصادي المباشر لحماية المضيق بسبب تحسن مستوى اكتفائها الذاتي من الطاقة، إلا أنها لا تزال تواجه معضلة هيكلية تتمثل في أن صدمة أسعار النفط الناجمة عن الحصار ستنعكس كعبء سياسي داخلي. من جانبها، تُعرّف إيران السيطرة على المضيق كأداة ضغط غير متماثلة ترتبط ارتباطاً مباشراً ببقاء النظام، وتتمسك بموقفها المتمثل في الإبقاء على الحصار ما لم يتم سحب القوات الأمريكية ورفع العقوبات. ورغم أن اتفاق "الممر الأوسط" الذي تتوسط فيه عُمان يشهد تقدماً، إلا أنه في حال اقتصر على كونه تسوية مؤقتة، فإن الاحتمال الأرجح هو ترسيخ "وضع طبيعي جديد" عالي التكلفة تتناوب فيه المفاوضات والتوترات بشكل دائم. ويتعين على المجتمع الدولي تركيز جهوده التنفيذية على التحول نحو نظام إدارة متعدد الأطراف لسلامة الملاحة لمنع تحول بند حق تقييد الملاحة في مذكرة إسلام آباد إلى وضع دائم، كما ينبغي للدول المستوردة للطاقة، بما فيها كوريا الجنوبية، إجراء مراجعة استباقية للطرق البديلة وأنظمة الاستجابة المتعلقة بالاحتياطي النفطي.
أولاً. تحليل حالة القضية
اتساع رقعة الحرب الإسرائيلية الإيرانية وأزمة مضيق هرمز: تحليل الحالة
1. خلفية القضية وتطوراتها
بدأت هذه الحرب في 28 فبراير 2026 بشن إسرائيل والولايات المتحدة غارات جوية على إيران[12]. وبعد مرور أكثر من أربعة أشهر على اندلاع الحرب، لم يتم حتى الآن إرساء "الهدنة غير المستقرة التي يُستبعد تمديدها إلى أجل غير مسمى" والتي أشار إليها الرئيس ترامب[8]. وتواصل البحرية الأمريكية تنفيذ عملياتها في مضيق هرمز، في حين شهدت المفاوضات التي جرت في باكستان سلسلة من الانطلاقات والتوقفات المتكررة[8].
كانت الاستراتيجية الإيرانية واضحة منذ بداية الحرب، وتتمثل في استخدام مضيق هرمز كأداة ضغط جيوسياسية. وقد صرح المتحدث باسم الجيش الإيراني بأن "الولايات المتحدة ليس أمامها خيار سوى قبول النظام الإيراني في مضيق هرمز"[17]. كما أعلن مسؤول أمني إيراني أن بلاده ستبقي المضيق مغلقاً حتى تنسحب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط وترفع العقوبات المفروضة على إيران[16]. ووصف الرئيس بزشكيان الولايات المتحدة بأنها طرف "لا يمكن الوثوق به حقاً"، لكنه أكد في الوقت ذاته على تحسن العلاقات مع دول المنطقة، مشيراً إلى أن باكستان "تتعاون بكل قوتها"[16].
في خضم هذه العملية، أصبحت إشارات إعادة تشكيل النظام في منطقة الخليج واضحة. فقد وقعت المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان في جدة على اتفاقية مكة للدفاع المشترك، والتي تضمنت بنداً يعتبر أي هجوم مسلح على أي من الدول الثلاث بمثابة هجوم على الدول الثلاث مجتمعة[6]. وقد أُبرمت هذه الاتفاقية في وقت أصبح فيه التهديد باستئناف الحرب الإيرانية وهجمات جماعة الحوثي اليمنية أمراً واقعاً، وفي مرحلة بدأت فيها دول الخليج تشكك في دور الولايات المتحدة كمزود للأمن[6]. وسارعت الحكومة التركية إلى توضيح أن هذه الاتفاقية لا تتعارض مع التزاماتها القائمة كعضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو). وأكدت خدمة مكافحة التضليل التابعة للحكومة أن "هذه الاتفاقية لا تتعارض مع التزامات التحالفات الدولية الحالية لتركيا، بما في ذلك الناتو"، بل وصفتها بأنها "آلية تعاون إضافية لدعم المنطقة"[1].
2. الوضع الحالي
بدا أن المفاوضات حول مضيق هرمز قد اكتسبت زخماً سريعاً في أوائل شهر أغسطس. فقد أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية أن الاتفاق مع عُمان بشأن السيطرة على المضيق في "مراحله النهائية"، وأنه سيُبرم قريباً "ما لم تقم أطراف معينة بعرقلة هذه العملية"[9]. وأفادت قناة "برس تي في" الإيرانية الحكومية بأن المفاوضات بين طهران ومسقط دخلت "مرحلة جديدة" تهدف إلى إنشاء "ممر أوسط" داخل مضيق هرمز[4]. ومع ذلك، من اللافت للنظر أن وزارة الخارجية الإيرانية، وإن لم تصرح بذلك علناً، قد أشارت ضمناً إلى الرئيس ترامب كطرف قادر على إفشال المفاوضات. وينبع هذا من المخاوف بأن الطرف الذي أشعل الحرب في 28 فبراير وأوقف الملاحة في المضيق قد يعمد مجدداً إلى إحباط الاتفاق[9]. وأشار الجانب الإيراني إلى أن "العوامل التي تزعزع استقرار مضيق هرمز من الجانب الأمريكي، وخاصة الحصار البحري والأعمال العدائية والتهديدية ضد إيران، لا تزال قائمة"[9].
في 7 أغسطس، أوردت صحيفة "لا ريبوبليكا" الإيطالية تقريراً يفيد بأن المرشد الأعلى خامنئي في حالة صحية حرجة، مشيرة في الوقت ذاته إلى اقتراب التوصل لاتفاق بشأن هرمز. وذكر الرئيس ترامب أن "طهران تريد اتفاقاً ولا ترغب في التعرض للقصف"، معرباً عن اعتقاده بأن الحرب ستنتهي "بسرعة كبيرة"[7].
في الوقت نفسه، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أنه اعتباراً من 8 أغسطس، وكجزء من عملية حصار إيران، تم تغيير مسار 53 سفينة تجارية، وتعطيل سفينتين، واعتلاء سفينتين أخريين. وقد سُمح لأكثر من 30 سفينة بالمرور لأغراض الدعم الإنساني[11]. وصرح نائب الرئيس جي دي فانس بأن إيران أبلغت واشنطن بأنه "ليس لديها" خطط لفرض رسوم عبور على السفن المارة عبر مضيق هرمز[11]. ويمكن تفسير ذلك على أنه حسابات إيرانية تهدف إلى تقليل الرد الأمريكي إلى الحد الأدنى من خلال ممارسة السيطرة الفعلية على المضيق مع الامتناع عن فرض رسوم عبور رمزية.
من ناحية أخرى، أعلنت جماعة الحوثي اليمنية أنها استهدفت 8 ناقلات نفط سعودية منذ بدء الحصار[4]. وفي مقابلة مع هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية (IRIB)، انتقد النائب في البرلمان الإيراني إسماعيل كوثري الرئيس ترامب، واصفاً إياه بأنه "متناقض ولا يمكن الوثوق به" في المفاوضات[4]. كما وقع هجوم على سفينة تابعة لشركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك) الإماراتية، وهو ما أدانته الدول الحليفة في المنطقة، بما في ذلك عُمان[11].
سلط معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) الضوء على توقيع الولايات المتحدة وإيران على "مذكرة تفاهم إسلام آباد" لإنهاء الحرب في 17 يونيو، وحلل أن صياغة البنود الأساسية للاتفاقية تنطوي على إمكانية أن تمنح الولايات المتحدة إيران حقاً دائماً في تقييد الملاحة في مضيق هرمز ضمن معاهدة السلام النهائية[3]. وفي حين قيّم المعهد أن هذا الاتفاق هش للغاية في الوقت الحالي، فقد حذر من أنه في حال تنفيذ هذا البند، فإنه قد يُحدث تداعيات اقتصادية وسياسية وقانونية على مبدأ حرية الملاحة في جميع أنحاء العالم، متجاوزاً منطقة الخليج[3].
3. الفاعلون الرئيسيون ومواقفهم
إيران: تكمن استراتيجية التفاوض للنظام في التعامل مع مضيق هرمز كـ "أداة ضغط لا يمكن التخلي عنها". وقد صرح قاضٍ إيراني سابق بأن بلاده "لن تتراجع في مضيق هرمز مهما كان الثمن"[14]. كما وافقت لجنة تابعة للبرلمان الإيراني على الخطوط العريضة لـ "خطة العمل الاستراتيجية" المتعلقة بهرمز[13]. ومع ذلك، في ظل إثارة المشاكل الصحية للمرشد الأعلى خامنئي، لا يمكن استبعاد احتمال اهتزاز اتساق المفاوضات داخل النظام[7]. وبرر الرئيس بزشكيان المنطق الأمني لبلاده قائلاً: "لم يكن بوسعنا إلا الرد على الهجوم الذي استهدف إيران باستخدام أراضينا"[16].
الولايات المتحدة: يطلق الرئيس ترامب تصريحات ضاغطة مفادها أن إيران "لا يمكنها الصمود لفترة أطول"، مبدياً في الوقت ذاته توقعاته بإنهاء مبكر للحرب[1][7]. وعلى الصعيد الداخلي للإدارة، اتخذت موقفاً مترقباً لتراكم الضغوط الاقتصادية، حيث أشارت في مقابلة مع موقع أكسيوس إلى أنها "ترد بمستوى منخفض" و"تجري مفاوضات نصفية فقط"[13]. ومع ذلك، وفقاً لتحليل معهد شرق آسيا (EAI)، انخفضت نسبة واردات الولايات المتحدة من النفط الخام الخليجي بشكل حاد من 25% في عام 2014 إلى حوالي 8% في عام 2025 بعد ثورة الصخر الزيتي، وهو ما يعمل كعامل يضعف هيكلياً الدافع الاقتصادي المباشر للولايات المتحدة لحماية مضيق هرمز[5]. وفي الوقت نفسه، هناك معضلة تتمثل في أنه إذا ارتفعت أسعار النفط بشكل حاد بسبب إغلاق المضيق، فإن التضخم المحلي في الولايات المتحدة سيشتعل من جديد وسيزداد العبء السياسي الداخلي[5]. وتُقرأ هذه المعضلة كخلفية لإرسال إدارة ترامب تصريحات متشددة وإشارات للعودة المبكرة إلى المفاوضات في آن واحد.
عُمان: تأخذ على عاتقها دور الوسيط بين إيران والولايات المتحدة. وقد سعت مسقط إلى إبرام اتفاق مؤقت مع إيران يهدف إلى زيادة حركة السفن التجارية عبر "الممر الأوسط" في المضيق[4][9]. ومع ذلك، فإن هذا الاتفاق هو إجراء مؤقت يمتد من شهرين إلى أربعة أشهر، ويحمل طابع التدبير المؤقت لكسب الوقت بدلاً من كونه حلاً جذرياً. وتحافظ عُمان على موقف يعطي الأولوية للاستقرار الإقليمي، وهو ما تجلى في إدانتها للهجوم على سفينة أدنوك[11].
المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان: أسست هذه الدول شبكة أمنية ذاتية من خلال اتفاقية مكة للدفاع المشترك للرد على تراجع الثقة في المظلة الأمنية الأمريكية[6]. وتُعد الظروف التي بدأت فيها دول الخليج بالتشكيك في دور الولايات المتحدة كمزود للأمن، إثر تعرضها لهجمات متكررة بالطائرات المسيرة والصواريخ الإيرانية، هي الخلفية المباشرة لإبرام الاتفاقية[6]. وقد شرعت تركيا في جهود دبلوماسية لاحتواء المخاوف من تعارض الاتفاقية مع التزاماتها في الناتو في وقت مبكر[1]. وبما أن السعودية أصبحت هدفاً لهجمات الحوثيين على ناقلات النفط، فإن فعالية اتفاقية الدفاع قد وُضعت على المحك في مرحلة مبكرة[4].
جماعة الحوثي اليمنية: أعلنت حصار البحر الأحمر وتواصل عملياتها العسكرية المستقلة باستهداف ناقلات النفط السعودية. ويُعد هذا عاملاً يوسع أزمة المضيق لتتحول إلى هيكل صراع متعدد الأطراف أكثر تعقيداً، بغض النظر عما إذا كان ذلك بتوجيه مباشر من إيران أم لا[4].
4. ملخص القضايا الجوهرية
أولاً، الطبيعة المؤقتة للاتفاق العُماني الإيراني. إن الإطار الزمني الممتد من شهرين إلى أربعة أشهر ليس حلاً جذرياً، بل هو مجرد تأجيل مؤقت لمرحلة الأزمة التالية. كما أن انعدام الثقة القوي داخل إيران تجاه النوايا الحقيقية لإدارة ترامب في المفاوضات يحد من استدامة الاتفاق[4][9].
ثانياً، إمكانية تحول حق تقييد الملاحة في هرمز إلى وضع دائم. إذا كانت صياغة مذكرة تفاهم إسلام آباد تتضمن مجالاً لمنح إيران حقاً دائماً في تقييد الملاحة، فإن ذلك سيشكل سابقة لمبدأ حرية الملاحة في جميع أنحاء العالم، متجاوزاً منطقة الخليج[3].
ثالثاً، إعادة حسابات الثقة من قبل الحلفاء الخليجيين تجاه الالتزامات الأمنية الأمريكية. وتُعد اتفاقية مكة للدفاع المشترك بالفعل نتاجاً لهذه الحسابات الجديدة[6]. كما أن الخلفية الهيكلية التي يعمل فيها تحسن مستوى الاكتفاء الذاتي من الطاقة في الولايات المتحدة، وبشكل متناقض، كضغط للعودة المبكرة إلى المفاوضات، تسرع من عملية إعادة حسابات الثقة هذه[5].
رابعاً، المتغيرات الداخلية للنظام. إذا ثبتت صحة التقارير المتعلقة بالحالة الصحية للمرشد الأعلى خامنئي، فهناك احتمال أن تتم إعادة ضبط اتساق المفاوضات الإيرانية واستراتيجيتها تجاه الولايات المتحدة بحد ذاتها[7].
ثانياً. تحليل متعمق للقضية
اتساع رقعة الحرب الإسرائيلية الإيرانية وأزمة مضيق هرمز: تحليل متعمق
1. تحليل الأسباب الجذرية
لا يمكن تفسير السبب الجذري لهذه الحرب بمجرد الصراع الطويل الأمد حول برنامج إيران النووي والصاروخي. إن جوهر الصراع المسلح الذي استمر لأكثر من أربعة أشهر منذ اندلاعه في 28 فبراير يكمن في أنه حدث في وقت تضعف فيه هيكلياً إرادة الولايات المتحدة للتدخل الأمني في الشرق الأوسط. فبعد ثورة الصخر الزيتي، انخفضت نسبة واردات الولايات المتحدة من النفط الخام من منطقة الخليج بشكل حاد من 25% في عام 2014 إلى حوالي 8% في عام 2025[5]. وتحولت الولايات المتحدة إلى مُصدِّر صافٍ للطاقة منذ عام 2020، وسجل إنتاجها من النفط الخام مستوى قياسياً في عام 2025[5]. وقد أضعف هذا التغيير الدافع الاقتصادي المباشر للولايات المتحدة لحماية مضيق هرمز[5]. ولكن في الوقت نفسه، كشف الصراع المسلح الأمريكي الإيراني عن الحدود الاستراتيجية للاكتفاء الذاتي من الطاقة في الولايات المتحدة. فإذا حدث إغلاق لمضيق هرمز، سترتفع أسعار النفط العالمية بشكل حاد، مما سيؤدي إلى اشتعال التضخم المحلي في الولايات المتحدة وزيادة العبء السياسي الداخلي[5]. لقد نشأت مفارقة حيث أن تحسن مستوى الاكتفاء الذاتي من الطاقة لا يعمل كعامل يعزز الصبر الاستراتيجي، بل كعامل يضغط من أجل العودة المبكرة إلى المفاوضات[5]. وتعكس تصريحات الرئيس ترامب التي يصف فيها الوضع بأنه "يُعالج بمستوى منخفض" أو أنه "مفاوضات نصفية"، مع تأكيده في الوقت ذاته على تراكم الضغوط الاقتصادية على إيران، هذه المعضلة[13].
من وجهة النظر الإيرانية، يؤول السبب الجذري إلى مسألة بقاء النظام. فقد صرح مسؤول أمني إيراني بأن بلاده ستبقي مضيق هرمز مغلقاً حتى تنسحب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط وترفع العقوبات المفروضة على إيران[16]. وهذا أقرب إلى كونه مبدأ غير قابل للتفاوض بالنسبة للنظام منه إلى تكتيك تفاوضي. وتأتي تصريحات القاضي الإيراني السابق بأن بلاده "لن تتراجع في مضيق هرمز مهما كان الثمن" في السياق ذاته[14]. بالنسبة لإيران، تُعد السيطرة على المضيق أداة الضغط غير المتماثلة الوحيدة التي تعوض عن دونيتها العسكرية. وفي ظل الافتقار إلى قدرات الحرب النظامية لمواجهة قدرات الضربات الجوية الإسرائيلية والأمريكية، فإن استراتيجية اتخاذ المضيق، الذي يمر عبره جزء كبير من حجم تجارة النفط الخام العالمية، كرهينة هي تقريباً وسيلة الرد الوحيدة المتاحة لإيران.
2. السياق الهيكلي
بالنظر إلى الهيكل السياسي، حدثت هذه الأزمة في مرحلة تنتقل فيها سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط نحو "الموازنة من الخارج" (offshore balancing). ومع اقتران مبدأ "أمريكا أولاً" (America First) بتحسن مستوى الاكتفاء الذاتي من الطاقة، تضعف الشرعية السياسية الداخلية لحماية طرق النقل البحري في الخليج[5]. ومن المتوقع أن يؤدي هذا الاتجاه الهيكلي إلى الضغط على الدول المعتمدة على استيراد الطاقة، مثل كوريا الجنوبية واليابان والاتحاد الأوروبي، لتقديم مساهمات مالية وعسكرية[5]. وفي الوقت نفسه، من المرجح أن تقوم الصين بهيكلة مكاسب استراتيجية من هذا الفراغ[5]. فبينما تقلل الولايات المتحدة من عبئها المباشر في حماية طرق النقل البحري، تتهيأ الظروف للصين لتوسيع نفوذها من خلال تعميق علاقاتها الاقتصادية وعلاقات الطاقة مع دول الخليج.
على مستوى الهيكل الأمني، ظهرت ظاهرة جديدة تتمثل في حشد القدرات الدفاعية الذاتية لمنطقة الخليج. وتُعد اتفاقية مكة للدفاع المشترك التي وقعتها المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان رمزاً لهذا الاتجاه[6][1]. وتتضمن هذه الاتفاقية بنداً للدفاع الجماعي يعتبر أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث بمثابة هجوم على الدول الثلاث مجتمعة[6]. ويحلل المجلس الأطلسي (Atlantic Council) أن هذه الاتفاقية قد أُبرمت في وقت تزايد فيه التهديد بتجدد الحرب الإيرانية والهجمات الفعلية للحوثيين في اليمن، وفي مرحلة بدأت فيها دول الخليج تشكك في دور الولايات المتحدة كمزود للأمن[6]. إن مسارعة تركيا إلى توضيح عدم وجود تعارض مع وضعها كعضو في الناتو يُظهر، بشكل متناقض، أن هذه الاتفاقية قد وُلدت في ثغرات نظام التحالفات القائم الذي تتمركزه الولايات المتحدة[1]. إن الهيكل الذي يجمع بين عضوية الناتو والمشاركة في الوقت ذاته في كيان دفاع جماعي غير غربي يُعد تجربة يصعب إيجاد سابقة لها في النظام الأمني للشرق الأوسط منذ نهاية الحرب الباردة.
من حيث الهيكل الاقتصادي، هناك خطر من أن يخلق وضع مضيق هرمز بحد ذاته سابقة جديدة تتعارض مع مبدأ حرية الملاحة. ويشير معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) إلى أنه بالنظر إلى صياغة البنود الأساسية لمذكرة تفاهم إسلام آباد التي وقعتها الولايات المتحدة وإيران في 17 يونيو، فمن المحتمل أن تسمح الولايات المتحدة لإيران بسلطة تقييد حرية الملاحة في مضيق هرمز بشكل دائم في معاهدة السلام النهائية[3]. وفي حين يقيّم المعهد أن هذا الاتفاق "يبدو هشاً للغاية في الوقت الحالي"، فإنه يحذر من أنه إذا تحقق، فقد يُحدث "تداعيات اقتصادية وسياسية وقانونية تتجاوز منطقة الخليج بكثير"[3]. وهذا لا يقتصر على كونه مجرد قضية ثنائية بين إيران والولايات المتحدة، بل قد يتسع ليصبح تحدياً لنظام حقوق المرور في المضائق الدولية بأكمله كما تنص عليه اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS).
3. السوابق التاريخية ومقارنة الحالات المشابهة
إن استراتيجية اتخاذ مضيق هرمز كأداة ضغط لا تختلف في جوهرها عن "حرب الناقلات" (Tanker War, 1984-1988) إبان الحرب الإيرانية العراقية. ففي ذلك الوقت أيضاً، هددت إيران الملاحة في المضيق من خلال مهاجمة ناقلات النفط وزرع الألغام، وردت الولايات المتحدة بنشر قواتها البحرية. ومع ذلك، فإن طريقة الرد الأمريكي في هذه الحالة تختلف نوعياً عن الماضي. فقد أعلنت القيادة المركزية الأمريكية أنه اعتباراً من 8 أغسطس، تم تحويل مسار 53 سفينة تجارية، وتعطيل سفينتين، وإجراء عمليات تفتيش باعتلاء سفينتين أخريين. وقد سُمح بمرور أكثر من 30 سفينة لأغراض الدعم الإنساني[11]. ويشير هذا إلى تحول نحو شكل أقرب إلى عملية حصار تسيطر فيها الولايات المتحدة مباشرة على المضيق، على عكس عملية ضمان حرية الملاحة السابقة (Operation Earnest Will). إن المنطق الذي دافعت به الولايات المتحدة عن خطوط المواصلات البحرية لاحتواء التوسع السوفيتي خلال الحرب الباردة، والمنطق الحالي الذي تتحكم به الولايات المتحدة في الملاحة عبر المضيق بحد ذاته كوسيلة للضغط على إيران، يسيران في اتجاهين متعاكسين تماماً.
هناك نقطة مقارنة أخرى تتمثل في هيكل الحرب بالوكالة بين القوى الإقليمية الكبرى والذي ظهر في الحرب الأهلية السورية منذ عام 2011. ومع ذلك، تختلف هذه الأزمة نوعياً في أنها لا تتخذ شكل حرب بالوكالة، بل شكل حرب نظامية تضرب فيها الولايات المتحدة وإسرائيل الأراضي الإيرانية مباشرة. ويمكن اعتبار نمط التصعيد الذي حدث خلال حرب إسرائيل وحماس عام 2024، حيث قتلت إسرائيل قائداً كبيراً في الحرس الثوري الإيراني في سوريا واغتالت قادة حماس في لبنان، بمثابة مقدمة لهذه الحرب[10]. في ذلك الوقت أيضاً، أظهر رئيس الوزراء نتنياهو موقفاً مستعداً للمخاطرة بالتصعيد من أجل بقائه السياسي، وهو عامل هيكلي يتكرر في الحرب الحالية[10].
يمكن مقارنة اتفاقية مكة للدفاع المشترك بحلف بغداد عام 1955 أو تأسيس مجلس التعاون الخليجي (GCC) في الثمانينيات. ومع ذلك، تختلف هذه الاتفاقية بشكل حاسم في أنها لم تكن بقيادة أو رعاية الولايات المتحدة، بل جاءت كتجمع طوعي لدول المنطقة على خلفية انعدام الثقة في الالتزامات الأمنية الأمريكية[6]. ويمكن تفسير ذلك كإشارة إلى أن البنية الأمنية للشرق الأوسط التي تتمركز حول الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة تشهد تصدعاً فعلياً.
4. المتغيرات الأساسية في تطور القضية
المتغير الأول هو مسألة صحة القيادة العليا الإيرانية وخلافتها. قد لا يكون من قبيل الصدفة أن تتزامن التقارير التي تفيد بأن المرشد الأعلى خامنئي في حالة صحية حرجة مع التقارير التي تشير إلى اقتراب التوصل لاتفاق بشأن هرمز[7]. فإذا كان تغيير المرشد الأعلى وشيكاً، يصبح من غير المؤكد ما إذا كان خط التفاوض الحالي سيستمر في ظل القيادة القادمة. وهذا عامل يزعزع استدامة اتفاق الوساطة العُمانية بحد ذاته.
المتغير الثاني هو مسألة الموثوقية السياسية داخل الولايات المتحدة. فقد انتقد النائب الإيراني إسماعيل كوثري علناً الرئيس ترامب واصفاً إياه بأنه "متناقض ولا يمكن الوثوق به" في المفاوضات[4]. كما أعاد الرئيس بزشكيان وصف الولايات المتحدة بأنها طرف "لا يمكن الوثوق به حقاً"[16]. وحتى لو قام فريق التفاوض الإيراني بتنفيذ الاتفاق فعلياً، فإن الشكوك الجذرية لدى الجانب الإيراني حول ما إذا كانت إدارة ترامب ستحافظ عليه تظل خطراً هيكلياً سيبقى حتى بعد التوصل إلى اتفاق.
المتغير الثالث هو الإجراءات المستقلة لجماعة الحوثي اليمنية. فقد صرح المتحدث باسم الحوثيين بأنهم هاجموا 8 ناقلات نفط سعودية منذ بدء الحصار[4]. ويُظهر هذا أنه حتى لو تم التوصل إلى اتفاق ثنائي بين إيران والولايات المتحدة، فإن تصرفات الجماعات المسلحة الإقليمية التي لا تسيطر عليها إيران بشكل مباشر يمكن أن تهدد استقرار المضيق بشكل منفصل. وبالمثل، فإن إدانة الدول الخليجية الحليفة للهجوم على سفينة شركة بترول أبوظبي الوطنية (أدنوك)[11] تشير إلى أن الفاعلين خارج طاولة المفاوضات يمكنهم تقويض فعالية الاتفاق.
المتغير الرابع هو الوضع القانوني لاتفاق الوساطة العُمانية. ورغم وجود تقارير تفيد بأن المفاوضات بين إيران وعُمان قد دخلت مرحلة تهدف إلى إنشاء "ممر أوسط" داخل المضيق[4]، إلا أن هذا الاتفاق بعيد عن كونه حلاً جذرياً نظراً لأنه مجرد إجراء مؤقت يمتد من شهرين إلى أربعة أشهر. وفي حين أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية أن الاتفاق في "مراحلها النهائية"، إلا أنها وضعت شرطاً مفاده "ما لم تقم أطراف معينة بعرقلته"[9]. وهذا تعبير يُظهر أن إيران نفسها غير متأكدة من استدامة هذا الاتفاق.
يلزم 3 أرصدة اعتبارًا من هنا
المحتوى بعد تحليل السيناريوهات متاح باستخدام الأرصدة.
سجّل الدخول لمتابعة القراءة*هذا النص ترجمة بالذكاء الاصطناعي لنص أصلي مكتوب باللغة الكورية. قد تتضمن بعض الترجمات أو الفروق الدقيقة أخطاء.
هذا التقرير تحليل معمّق خطّط له باحث في EAI، ويستند إلى بحث دقيق بمساعدة الذكاء الاصطناعي، وتولى باحث EAI صياغته النهائية.