→ رجوع · → الرئيسية · → العودة إلى القائمة

اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان: إعادة تشكيل المشهد الأمني في الخليج وتقييم قوة الردع ضد إيران

التصنيف
المراقبة الحالية
تاريخ النشر
10 أغسطس 2026

الملخص التنفيذي

جاءت اتفاقية مكة للدفاع المشترك، التي وقعتها السعودية وتركيا وباكستان في أغسطس 2026، نتيجة لاجتماع إعادة تقييم دول الخليج لثقتها في الالتزامات الأمنية الأمريكية مع التهديدات العسكرية المباشرة من إيران والحوثيين. وقد أدى التغير الهيكلي المتمثل في انخفاض حصة واردات الولايات المتحدة من النفط الخليجي إلى 8% إلى إضعاف حوافز التدخل لدى واشنطن، مما دفع الرياض وغيرها من دول المنطقة إلى البدء في البحث عن وسائل ردع مستقلة. ولا ترقى الاتفاقية إلى مستوى بند التدخل التلقائي على غرار حلف الناتو، ومن المرجح أن تعمل كإشارة رمزية بدلاً من تكامل عسكري فعلي، وذلك بسبب هيكل التحالف المزدوج لتركيا والقيود المفروضة على باكستان من قبل الهند وصندوق النقد الدولي. ويجب على كوريا الجنوبية أن تدرك ذلك ليس كحدث عابر، بل كعملية تعدد محاور في هيكل توفير الأمن في الخليج، وأن تعمل بالتوازي على تحويل نظام تقييم المخاطر، وإعادة فحص هيكل المنافسة مع شركات الصناعات الدفاعية التركية والباكستانية، وبناء نظام لمراقبة تحركات إيران والحوثيين.

مخطط

أولاً. تحليل حالة القضية

اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان: تحليل الحالة

1. الخلفية والتطورات

كشفت الحرب التي بدأت بالضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير 2026 عن تصدعات في المشهد الأمني الخليجي[2]. وعقب ذلك، أطلقت إيران والقوى المتحالفة معها صواريخ باتجاه الدول الخليجية المنتجة للنفط، بما في ذلك المملكة العربية السعودية. واستأنف المتمردون الحوثيون في اليمن هجماتهم على السعودية[14][1]. وفي خضم هذه التطورات، بدأت دول الخليج في إعادة النظر في مدى ثقتها بالالتزامات الأمنية الأمريكية[1].

إن إعادة تقييم الثقة هذه ليست ظاهرة مفاجئة. فبعد ثورة الصخر الزيتي في الولايات المتحدة، انخفضت حصة واردات النفط الخليجي من 25% في عام 2014 إلى حوالي 8% في عام 2025[7]. وقد ضعفت الدوافع الاقتصادية الأمريكية لحماية مضيق هرمز من الناحية الهيكلية[7]. وكشف الصراع المسلح مع إيران عن هذه القيود. ومع تحول المخاوف من إغلاق مضيق هرمز إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط وعبء التضخم داخل الولايات المتحدة، مال الصبر الاستراتيجي الأمريكي نحو العودة المبكرة إلى المفاوضات[7]. وراقبت دول الخليج هذه العملية وأعادت ضبط حساباتها بشأن استدامة الالتزامات الأمنية الأمريكية[7].

كانت المفاوضات بين الدول الثلاث، السعودية وتركيا وباكستان، جارية حتى قبل اندلاع الحرب مع إيران. وذكرت مجلة فورين بوليسي (Foreign Policy) أن هذه الاتفاقية هي نتيجة "مفاوضات استمرت قرابة عام"[13]. بعبارة أخرى، يجب النظر إلى هذه الاتفاقية على أنها نتيجة لتلاقي العامل المحفز المتمثل في الحرب الإيرانية مع تقارب المصالح الاستراتيجية بين الدول الثلاث الذي كان قائماً قبل ذلك.

2. الوضع الحالي

وقعت الدول الثلاث على الاتفاقية في مكة المكرمة في 7 أغسطس بحضور ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف[6]. ويُكتب اسم الاتفاقية بشكل مختلف قليلاً في وسائل الإعلام، حيث يُشار إليها باسم 'Mecca Joint Defence Agreement'[3][4] أو 'Mecca Joint Deterrence Agreement'[10]. ويتمثل جوهر المعاهدة في البند الذي ينص على أن "أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يُعتبر هجوماً على الدول الثلاث بأكملها"[3][12].

وقيّم موقع المونيتور (Al-Monitor)، نقلاً عن وكالة رويترز، أن هذه الاتفاقية تحمل طابع "توحيد الدول الإسلامية السنية الحليفة للولايات المتحدة"[14]. وفي مقابلة مع صحيفة آيريش تايمز (The Irish Times)، صرح المعلق علي الشهابي، المقرب من العائلة المالكة السعودية، أن هذه الاتفاقية "تعكس إدراكاً بأن قوة الردع الأمريكية قد ضعفت بشكل كبير، وأن القوى الإقليمية يجب أن تدير التهديد الإيراني بنفسها بشكل متزايد"[1]. ويُفسر هذا التصريح على أنه أقرب إلى الموقف الرسمي داخل النخبة الحاكمة في السعودية.

وأفادت قناة الجزيرة (Al Jazeera) بأن هذه الاتفاقية تم توقيعها في وقت تتصاعد فيه الحرب الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، وتناولتها جنباً إلى جنب مع استئناف الحوثيين لهجماتهم على السعودية[10]. كما سارعت صحيفة طهران تايمز (Tehran Times) الإيرانية إلى نشر خبر التوقيع فور حدوثه[16]، مما يشير إلى احتمال أن الجانب الإيراني ينظر إلى هذا الأمر على أنه بناء لشبكة حصار تستهدفه.

وتختلف ردود فعل وسائل الإعلام الهندية في طبيعتها. فقد وصفت صحيفة تايمز أوف إنديا (Times of India) هذه الاتفاقية بأنها 'نسخة إسلامية من الناتو'، وحللتها على أنها تشكيل لـ "مثلث استراتيجي" يجمع بين وضع باكستان كدولة نووية، وخبرة تركيا في الناتو، والقوة المالية للسعودية[4]. ووصفت صحيفة ذا هندو (The Hindu) باكستان صراحة بأنها "دولة نووية في جنوب آسيا"، وركزت على التداعيات التي ستخلفها هذه الاتفاقية على توازن القوى في جنوب آسيا[12]. ويُظهر هذا أن الهند تقرأ هذه الاتفاقية في المقام الأول من منظور تعزيز المكانة الدولية لباكستان، وليس من منظور القضية الإيرانية.

3. الفاعلون الرئيسيون ومواقفهم

المملكة العربية السعودية هي مسرح هذه الاتفاقية والدولة القائدة الفعلية لها. وبصفتها طرفاً معرّضاً بشكل مباشر للهجمات الصاروخية الإيرانية والهجمات المتجددة للحوثيين، فهي في أمس الحاجة إلى بنية أمنية بديلة لسد الفراغ في قوة الردع الأمريكية[1][14]. ويقوم ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بصياغة هيكل يجمع بين القوة العسكرية لتركيا وقوة الردع النووي لباكستان، مستخدماً القوة المالية كسلاح[4].

تركيا تتولى دور ضمان القدرة التنفيذية العسكرية للاتفاقية من خلال الاستفادة من وضعها الفريد كدولة عضو في حلف الناتو[4][12]. وبالنسبة لحكومة أردوغان، هناك مصلحتان على المحك: توسيع صادرات الصناعات الدفاعية مقترنة بالتمويل الخليجي، وتعزيز القيادة داخل المعسكر السني.

باكستان تجني ثمار الإدماج الرسمي لوضعها كـ "الدولة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي" كأصل أمني إقليمي[8]. وبالنسبة لحكومة رئيس الوزراء شريف، فإن الفوائد العملية كبيرة، وتتمثل في تأمين الدعم المالي السعودي ورفع مكانتها الدولية. ومع ذلك، فإن هذا يشكل عاملاً يثير حذر الجانب الهندي بشأن علاقاتها مع الهند، وإمكانية التدخل الخارجي للقوة النووية الباكستانية[4][12].

إيران من المرجح جداً أن تنظر إلى هذه الاتفاقية على أنها شبكة حصار تستهدفها. ويُظهر النشر الفوري لصحيفة طهران تايمز للخبر في يوم التوقيع[16] أن الداخل الإيراني يراقب هذه المسألة عن كثب.

الولايات المتحدة ليست طرفاً مباشراً في الاتفاقية، لكن الخلفية التي أدت إلى إبرام هذه الاتفاقية هي في حد ذاتها تراجع الثقة الإقليمية في الالتزامات الأمنية الأمريكية[1][7]. ومن المتوقع أن تواصل الولايات المتحدة، التي تراجعت دوافعها الاقتصادية المباشرة للدفاع عن مضيق هرمز بسبب التحول نحو الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة، مسارها في نقل الأعباء إلى حلفائها[7].

الهند تُظهر رد فعل يركز على تعزيز مكانة باكستان أكثر من تركيزها على الاتفاقية ذاتها[4][12]. ويعكس هذا حساسية الهند تجاه توازن القوى في جنوب آسيا.

4. القضايا الجوهرية

إن مدى فعالية الاتفاقية هي القضية الأولى التي ستوضع على المحك. وقد وصف موقع المونيتور (Al-Monitor) ذلك بأنه "ادعاء يجب اختباره (a claim to be tested)"[8]. فتوثيق بند الدفاع الجماعي على غرار الناتو شيء، والاستجابة العسكرية المشتركة الفعلية من قبل الدول الثلاث في حالة وقوع هجوم صاروخي إيراني أو هجوم حوثي شيء آخر تماماً.

كما أن مسألة التوسع الخارجي للقوة النووية الباكستانية تمثل قضية أخرى. فإدماج قوة الردع النووي الباكستانية، التي كانت مقتصرة على جنوب آسيا، في المعادلة الأمنية الخليجية يمكن أن يعمل كمتغير أمني جديد ليس فقط بالنسبة للهند، بل لإسرائيل أيضاً[4][8].

إن مسألة انضمام مصر وتوسيع مجال تدخل القوى العظمى من خارج المنطقة، وخاصة الصين، هي أيضاً نقاط تتطلب المراقبة في المستقبل. ففي ظل وجود المحاور الثلاثة المتمثلة في القوة المالية السعودية، والقاعدة الدفاعية التركية، وقوة الردع النووي الباكستانية، فإن انضمام دول أعضاء إضافية أو تعميق الروابط الأمنية والاقتصادية مع الصين من شأنه أن يعيد تعريف طبيعة هذه الاتفاقية.

ثانياً. تحليل متعمق للقضية

اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان: تحليل متعمق

1. تحليل الأسباب الجذرية

السبب الأساسي لهذه الاتفاقية هو تراجع الثقة في الالتزامات الأمنية الأمريكية. فقد انخفضت حصة واردات الولايات المتحدة من النفط الخليجي من 25% في عام 2014 إلى حوالي 8% في عام 2025[7]. وقد ضعفت الحوافز الاقتصادية الأمريكية لحماية مضيق هرمز من الناحية الهيكلية[7]. وظهرت هذه القيود بوضوح خلال مرحلة الصراع المسلح مع إيران. ومع تحول المخاوف من إغلاق مضيق هرمز إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط وعبء التضخم المحلي في الولايات المتحدة، مالت الاستراتيجية الأمريكية نحو العودة المبكرة إلى المفاوضات بدلاً من التدخل طويل الأمد[7]. وراقبت دول الخليج هذه العملية وتوصلت إلى حسابات مفادها أن الالتزامات الأمنية لواشنطن يمكن أن تكون متغيرة حسب الظروف[7].

صرح المعلق علي الشهابي، المقرب من العائلة المالكة السعودية، أن هذه الاتفاقية "تعكس إدراكاً بأن قوة الردع الأمريكية قد ضعفت بشكل كبير، وأن القوى الإقليمية يجب أن تدير التهديد الإيراني بنفسها بشكل متزايد"[1]. وهذا التصريح أقرب إلى التقييم الرسمي للنخبة الحاكمة في السعودية. إن الإدراك بأن الولايات المتحدة لا تضمن أمن حلفائها دون قيد أو شرط هو الدافع المباشر الذي جعل دول الخليج تبحث عن وسائل ردع مستقلة.

السبب الثاني هو الضغط العسكري المباشر من إيران والقوى المتحالفة معها. فقد أطلقت إيران والجماعات المرتبطة بها صواريخ باتجاه الدول الخليجية المنتجة للنفط، بما في ذلك السعودية، بعد الضربات الجوية الأمريكية والإسرائيلية على إيران[14]. واستأنف المتمردون الحوثيون في اليمن هجماتهم التي تستهدف السعودية، وترافق ذلك مع تحركات لإغلاق طرق نقل الطاقة[14][1]. وقيّم تقرير نقلاً عن وكالة رويترز أن هذه الاتفاقية تحمل طابع "توحيد الحلفاء الأمريكيين من المسلمين السنة الذين أفزعتهم الهجمات الصاروخية الإيرانية التي تنهال على الدول الخليجية المنتجة للنفط"[14][15]. إن تجسد التهديد الأمني في تجربة فعلية للتعرض للهجوم، بدلاً من كونه احتمالاً مجرداً، هو عامل سرّع من وتيرة إبرام الاتفاقية.

السبب الثالث هو تقارب المصالح الاستراتيجية لكل من الدول الثلاث. فقد ساهمت السعودية بقوتها المالية، وتركيا بخبرتها في الناتو وقدراتها في الصناعات الدفاعية، وباكستان بوضعها كالدولة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي في هذه الاتفاقية[4]. وذكرت مجلة فورين بوليسي (Foreign Policy) أن هذه الاتفاقية هي نتيجة "مفاوضات استمرت قرابة عام"[13]. وهذا يوضح أن الحرب الإيرانية لم تكن السبب الوحيد لإبرام الاتفاقية، بل كانت عاملاً محفزاً سرّع من تقارب المصالح بين الدول الثلاث الذي كان قائماً قبل ذلك.

2. السياق الهيكلي

الهيكل السياسي: إعادة ترتيب التسلسل الهرمي داخل المعسكر السني

تحمل هذه الاتفاقية أهمية هيكلية من حيث أنها أول تحالف عسكري رسمي بين ثلاث دول ذات أغلبية مسلمة سنية[8]. وقيّم موقع المونيتور (Al-Monitor) أن هذه الاتفاقية جمعت بين "ثاني أكبر جيش في الناتو، والدولة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي، وحامي الأماكن المقدسة الإسلامية"[8]. وهذا هيكل يجمع بين أصول مختلفة: القوة المالية والشرعية الدينية للسعودية، والقوة العسكرية والخبرة في الناتو لتركيا، والقوة النووية لباكستان. إن الإدماج الرسمي لفاعلين غير عربيين، وهما تركيا وباكستان، في النظام الأمني السني التقليدي المتمركز حول الممالك الخليجية، يعني حدوث تغيير في التسلسل الهرمي الأمني الإقليمي الذي كان يتمحور حول دول الخليج العربية.

إن إثارة إمكانية انضمام مصر هي أيضاً امتداد لهذا التغيير الهيكلي[4]. ففي حال مشاركة مصر، ستشمل الاتفاقية أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان والمؤسسة الدينية الأساسية في العالم الإسلامي السني (الأزهر)، ومن الممكن أن تتوسع طبيعتها من تحالف خليجي ملكي بحت إلى منظمة أمنية تشمل العالم السني بأسره.

الهيكل الاقتصادي: أمن الطاقة والجمع بين رأس المال والتكنولوجيا

إن الهيكل الذي يجمع بين القوة المالية للسعودية والصناعات الدفاعية لتركيا يحمل دلالات كبيرة من الناحية الاقتصادية أيضاً[4]. فالسعودية لديها الحافز لضخ أموال النفط الخاصة بها في أنظمة الأسلحة والصناعات الدفاعية التركية. ونظراً لأن الصناعات الدفاعية التركية قد وسعت صادراتها في السنوات الأخيرة مع التركيز على أنظمة الطائرات بدون طيار والصواريخ، فمن المرجح أن تعمل هذه الاتفاقية كأساس مؤسسي للتعاون في مجال الصناعات الدفاعية بين السعودية وتركيا. وفي الوقت نفسه، تُظهر محاولات الحوثيين لإغلاق طرق نقل الطاقة[14] لماذا تعتبر السعودية هذه الاتفاقية مسألة مرتبطة ارتباطاً مباشراً بأمن الطاقة. فبالنسبة للدول الخليجية المنتجة للنفط، يُعد أمن طرق النقل البحري أساساً للمالية العامة للدولة، وفي ظل ضعف الحوافز الأمريكية لحماية مضيق هرمز[7]، ارتقى بناء قوة ردع ذاتية إقليمية إلى مستوى مهمة مرتبطة ارتباطاً مباشراً بالبقاء الاقتصادي.

الهيكل الأمني: تعدد أقطاب قوة الردع

كان الهيكل الأمني الخليجي القائم أحادي القطب، ويعتمد بشكل كبير على الردع الممتد للولايات المتحدة. وهذه الاتفاقية هي محاولة لتحويله إلى هيكل متعدد الأقطاب. وقد أعلنت الدول الثلاث صراحة من خلال الاتفاقية أنها ستعزز "الدفاع الجماعي" و"الردع الجماعي"[6][12]. ومع ذلك، من غير الواضح ما إذا كانت هذه الاتفاقية تمتلك هيكل قيادة دائم، وقوات متكاملة، وآلية تدخل تلقائي مثل الناتو. وقد أشار المجلس الأطلسي (Atlantic Council) إلى ضرورة التمييز بشكل منفصل بين "ما تعنيه وما لا تعنيه" هذه الاتفاقية[3]، مما يشير إلى احتمال وجود فجوة بين الطابع الإعلاني للاتفاقية وقدرتها الفعلية على التنفيذ.

3. السوابق التاريخية ومقارنة الحالات المشابهة

تتخذ هذه الاتفاقية شكلياً من المادة الخامسة من ميثاق الناتو (بند الدفاع الجماعي) نموذجاً صريحاً لها[4][8]. ومع ذلك، فإن الاختلاف الجوهري عن الناتو يكمن في توازن القوة العسكرية بين الدول الأعضاء ووجود قيادة متكاملة. فقد راكم الناتو خبرة عملياتية فعلية على مدى أكثر من 70 عاماً، مرتكزاً على القوة العسكرية الساحقة للولايات المتحدة والقيادة العسكرية المتكاملة (SHAPE). في المقابل، انطلقت اتفاقية مكة في ظل وجود فجوة كبيرة في القوة العسكرية بين الدول الثلاث، وعدم التأكد من وجود نظام قيادة متكامل دائم. وكما يشير عنوان مقال المونيتور (Al-Monitor)، فإن هذا "ادعاء يجب اختباره (a claim to be tested)"[8].

تاريخياً، ظلت معظم محاولات الأمن الجماعي المشابهة في الشرق الأوسط عند المستوى الإعلاني، أو كانت فعاليتها محدودة بسبب تضارب المصالح بين الدول الأعضاء. فقد جمع حلف بغداد (منظمة المعاهدة المركزية - CENTO) عام 1955 بين تركيا والعراق وإيران وباكستان تحت رعاية الولايات المتحدة وبريطانيا، لكنه فقد قوته الملزمة الفعلية بعد الثورة العراقية عام 1958 والثورة الإيرانية عام 1979. وتحمل هذه الاتفاقية أيضاً ضعفاً هيكلياً مشابهاً، حيث أن إحدى الدول الأعضاء، وهي باكستان، لا تشترك جغرافياً بحدود مباشرة مع الخليج، ولديها أولويات أمنية منفصلة تتمثل في النزاع الحدودي مع الهند.

وهناك حالة مرجعية أخرى تتمثل في قوات درع الجزيرة (Peninsula Shield Force) التابعة لمجلس التعاون الخليجي (GCC). فقد تبنى مجلس التعاون الخليجي طابع الدفاع الجماعي اسمياً منذ تأسيسه في الثمانينيات، ولكن نادراً ما تم تفعيله فعلياً باستثناء أزمة البحرين عام 2011. وهذه سابقة تُظهر أنه حتى بين دول الخليج العربية، كان تفعيل بند الدفاع الجماعي في القتال الفعلي يتطلب توافقاً سياسياً كبيراً. ولم يثبت بعد ما إذا كانت معاهدة بين ثلاث دول متمركزة في مناطق مختلفة (الشرق الأوسط، والأناضول، وجنوب آسيا) مثل السعودية وتركيا وباكستان ستعمل تلقائياً في حالة وقوع هجوم فعلي.

إن إدراج القوة النووية الباكستانية في الاتفاقية هو نقطة تستحق اهتماماً خاصاً[8]. وهناك تفسيرات تشير إلى أن القوة النووية الباكستانية يمكن أن تؤدي وظيفة الردع الممتد للسعودية، على غرار مفهوم المظلة النووية للناتو خلال الحرب الباردة. ومع ذلك، فإن القوة النووية الباكستانية مصممة لاستهداف الهند، وتوجيهها نحو الخليج يواجه قيوداً سياسية وتقنية. وهذه النقطة تختلف جوهرياً عن ظروف المظلة النووية الأمريكية في الناتو.

4. المتغيرات الرئيسية في تطور القضية

المتغير الأول هو المسار المستقبلي للحرب الإيرانية. ففي حال اتساع نطاق الحرب مجدداً[3]، سيتم وضع مسألة التفعيل الفعلي للاتفاقية على المحك في وقت مبكر. وفي ظل استمرار هجمات الحوثيين على السعودية[1][14]، سيكون التفسير حول ما إذا كان هذا يُصنف على أنه "هجوم على الدول الثلاث" بموجب الاتفاقية هو العامل الحاسم. وسيعتمد تفعيل الاتفاقية ونطاقها على ما إذا كان سيتم اعتبار الحوثيين قوة وكيلة لإيران، أو التعامل معهم كفاعل منفصل من غير الدول.

المتغير الثاني هو ما إذا كانت مصر ستنضم أم لا[4]. فإذا شاركت مصر، سيتوسع الحجم السكاني والعسكري للاتفاقية بشكل كبير، وسيؤثر ذلك أيضاً على ديناميكيات القوة داخل جامعة الدول العربية. وعلى العكس من ذلك، إذا لم تشارك مصر، فستبقى الاتفاقية كمبادرة سعودية منفردة داخل العالم العربي، وقد تواجه قيوداً في تأمين الدعم العربي الشامل.

المتغير الثالث هو العلاقات الهندية الباكستانية. فإذا انخرطت باكستان بعمق في أمن الخليج، فمن المرجح أن تعتبر الهند ذلك عنصر تهديد أمني لجناحها الغربي. إن وصف صحيفة تايمز أوف إنديا (Times of India) لهذه الاتفاقية بأنها 'نسخة إسلامية من الناتو' وتناولها للتداعيات على الهند وإسرائيل معاً[4] يعكس حالة الحذر في الأوساط الهندية. وإذا قامت باكستان بنشر قوات أو أصول للدفاع عن السعودية بموجب الاتفاقية، فإن مسألة تخصيص باكستان لقدراتها العسكرية على الجبهة الغربية للهند قد تبرز كعامل توتر جديد في العلاقات الهندية الباكستانية.

المتغير الرابع هو الرد الإسرائيلي. على الرغم من أنه يُعرف أن الاتفاقية تستهدف إيران صراحة، إلا أن مشاركة تركيا تحمل دلالات أمنية منفصلة بالنسبة لإسرائيل. ففي ظل التوتر القائم بالفعل بين تركيا وإسرائيل، فإن حقيقة إبرام تركيا، العضو في الناتو، لمعاهدة دفاع جماعي مع السعودية وباكستان يمكن أن تعمل كمتغير جديد في الحسابات الاستراتيجية لإسرائيل.

المتغير الخامس هو مجال توسع انخراط القوى العظمى من خارج المنطقة، وخاصة الصين. تُفسر الاتفاقية في حد ذاتها على أنها محاولة من دول المنطقة لسد الفراغ الأمني الأمريكي ذاتياً[1]، لكن هذا الفراغ لا يؤدي بالضرورة إلى استعادة النفوذ الأمريكي. ونظراً لأن كلاً من السعودية وباكستان قد وسعتا تعاونهما الاقتصادي وفي مجال الطاقة مع الصين، فلا يمكن استبعاد احتمال أن يترافق تأمين الاستقلالية العسكرية للاتفاقية مع توسع الانخراط الاقتصادي والدبلوماسي للصين.

يلزم 3 أرصدة اعتبارًا من هنا

المحتوى بعد تحليل السيناريوهات متاح باستخدام الأرصدة.

سجّل الدخول لمتابعة القراءة

*هذا النص ترجمة بالذكاء الاصطناعي لنص أصلي مكتوب باللغة الكورية. قد تتضمن بعض الترجمات أو الفروق الدقيقة أخطاء.

هذا التقرير تحليل معمّق خطّط له باحث في EAI، ويستند إلى بحث دقيق بمساعدة الذكاء الاصطناعي، وتولى باحث EAI صياغته النهائية.

→ رجوع · → الرئيسية · → العودة إلى القائمة