ترجمة "قانون الأمم" وتصادم النظام: قصر إيوان
تاريخ بناء النظام في شرق آسيا: من النظام العالمي القديم إلى المستقبل المركب: شباب الساحة يتبنون بكين
لي هيون · جامعة إيوا النسائية
مقدمة أولى
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، واجهت الصين تحديًا هائلاً يتمثل في الغزو والضغط الدبلوماسي من قبل القوى الغربية. خلال هذه العملية، تعرض نظام "تيان شيا" (天下) التقليدي للعالم للخطر الشديد، وفي ظل الشعور بالأزمة الوطنية، بدأ إدراك الصين للعالم يتغير بسرعة. في هذا السياق، لم يكن ترجمة القانون الدولي الغربي إلى اللغة الصينية مجرد مسألة تقنية، بل كان عملاً فكريًا وسياسيًا ذا أهمية خاصة للصين لإعادة تعريف هويتها ومكانتها في العالم.
على وجه الخصوص، تمت ترجمة كتاب "عناصر القانون الدولي" (Elements of International Law) لهنري ويتون، والذي ترجمه ويليام مارتن في عام 1864، إلى اللغة الصينية باسم "وان قو غونغ فا" (萬國公法). إن اختيار مصطلح "وان قو" (萬國) المستخدم هنا له معنى يتجاوز مجرد الاستبدال اللغوي. وذلك لأنه يوفر دليلاً هامًا على كيفية فهم وقبول المفكرين الصينيين والمترجمين في ذلك الوقت لمفهوم "الدولي" الغربي، وما هي رؤيتهم للعالم التي تخيلوها. بناءً على هذا الوعي بالمشكلة، يسعى هذا البحث إلى استكشاف السؤال الأساسي حول سبب اختيار المترجمين في ذلك الوقت لمصطلح "وان قو" (萬國) كمقابل لمفهوم "الدولي". ينبع هذا السؤال من هدف توضيح كيفية تفاعل مفاهيم العالم والنظام الصينية في ذلك الوقت مع المفاهيم الغربية وتكييفها من خلال ترجمة ويليام مارتن. أشار تشي جوانغ ين (Zhiguang Yin) إلى أن هذه الترجمة "لم تكن مجرد إدخال للغة أجنبية، بل كانت صراعًا بين نظامين مختلفين: "تيان شيا" و"الدولي" (Zhiguang Yin, 2016). وفقًا لـ Yin، فإن تبني ويليام مارتن لمفهوم "وان قو" (萬國)، الذي يفترض المساواة بين الدول الغربية، قد مهد الطريق لإدخال تصور جديد للنظام في الصين، يختلف عن نظام تيان شيا الهرمي الذي يركز على الصين. (Zhiguang Yin, 2016) من خلال طرح هذه المشكلة، يسعى هذا المقال إلى الكشف عن التوترات الفكرية والتسويات المختلفة التي كانت تعمل في مجال الترجمة في ذلك الوقت. في النهاية، سيسلط هذا البحث الضوء بعمق على الآثار السياسية لاختيار مارتن للترجمة، والاضطراب المفاهيمي والتسويات التي واجهتها الصين أثناء إعادة تشكيل رؤيتها التقليدية للعالم واندماجها كعضو في المجتمع الدولي الحديث.
ركزت الدراسات السابقة حول "قانون الأمم" (萬國公法) بشكل أساسي على سياق إدخال هذه الترجمة، ودور المترجم مارتن، واستيعاب النظام القانوني الغربي المتمثل في القانون الدولي. يمثل هذا النهج مساهمة مهمة من حيث أنه يقدم منظورًا تاريخيًا مؤسسيًا لكيفية قبول الصين للنظام الجديد للقانون الدولي في خضم صراعاتها الدبلوماسية مع القوى الغربية في أواخر عهد أسرة تشينغ. على سبيل المثال، حلل Yin كيف قدم ويليام مارتن القانون الدولي لـ ويتون إلى الصين في إطار "الشمولية المسيحية"، وكيف تم ربط القانون الدولي كقيمة عالمية بالنظام السياسي الصيني. (Zhiguang Yin, 2016)
ومع ذلك، بينما تركز هذه الدراسة على محاولة مارتن للترجمة ذات الطابع الحضاري، فإنها لا تتعمق بشكل كافٍ في تصورات المتعاونين الصينيين للمفاهيم، أو تصادم أنظمة النظام، أو مراحل التفاوض المحددة التي عملت في مجال الترجمة. وينطبق الشيء نفسه على عمل Rune Svarverud. يؤكد على أن ترجمة ويتون للقانون الدولي كانت مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بإعادة تنظيم النظام في أواخر عهد أسرة تشينغ والاستجابات الدبلوماسية العملية. (Rune Svarverud, 2007) يسلط الضوء على أن ترجمة ويتون لم تكن مجرد استيراد ثقافي، بل كانت جزءًا من مشروع وطني للتكيف مع النظام الغربي وحركة التقوية الذاتية. ومع ذلك، يظل هذا أيضًا تحليلًا يركز على التاريخ المؤسسي لـ "إدخال القانون الدولي"، ويفتقر إلى تحليل البنية التوترية التاريخية المفاهيمية التي أدت إلى ترجمة "الدولي" (international) إلى "الأمم" (萬國) بدلاً من "الدولي" (國際)، أي حالة الجمود الفكري التي لا مفر منها لاختيار مصطلح "الأمم" (萬國).
من ناحية أخرى، يحلل Han Sang-hee بشكل مقارن كيف تم تداول وانتشار مصطلحات القانون الدولي في شرق آسيا، مشيرًا إلى أنه في اليابان، أصبح "الدولي" (國際) هو المصطلح القياسي، بينما في الصين، استقر مصطلح "الأمم" (萬國). (Han Sang-hee, 2010) ومع ذلك، يركز هذا أيضًا على الاختلافات السطحية في السياسات اللغوية، ولا يقدم تحليلًا تاريخيًا مفاهيميًا أو فكريًا لسبب حدوث هذا الاختيار للترجمة داخل الصين. علاوة على ذلك، يجادل Ignacio de la Rasilla بأن ترجمة ويتون مهدت الطريق لإعادة تنظيم الصين في أواخر عهد أسرة تشينغ ضمن نظام القواعد الدولية (Ignacio de la Rasilla & Cai Congyan, 2023)، وحللت Deborah Cao الوظيفة الثقافية للترجمة في النظام القانوني اللغوي الصيني. (Deborah Cao, 2007)
ومع ذلك، لم تلتقط هذه الدراسات بشكل كافٍ الصراعات اللغوية والتوترات السياسية التي نجمت عن اختيار "الكلمات المترجمة"، ولم تحاول بشكل خاص استعادة التفسير الداخلي لكيفية محاولة مصطلح "وان قو" (萬國) التوفيق بين مفاهيم النظام بين "تيان شيا" و"الدولي". في حين أن مفهوم "الممارسة اللغوية العابرة" (translingual practice) الذي قدمته ليديا ليو (Lydia Liu) يوفر أداة لشرح الجوانب الثقافية والسياسية للترجمة نظريًا، إلا أن الدراسات التي تطبق هذا المفهوم على الحالة الفعلية لترجمة ويتون-مارتن لا تزال نادرة. (Lydia Liu, 1995) باختصار، ركزت الدراسات السابقة على السياق المؤسسي لتقديم القانون الدولي أو خطط مارتن كمترجم، لكنها لم تستجب بشكل كافٍ لسؤال "لماذا "وان قو" بالتحديد؟". إن القرار اللغوي الذي قد يبدو تافهًا لاختيار الكلمات المترجمة كان في الواقع نتيجة لمفاوضات وتنازلات فكرية عميقة حدثت عند نقطة التقاء عالمية نظام الدول الغربية مع شمولية نظام تيان شيا الصيني الهرمي. يسعى هذا المقال إلى سد هذه الفجوة من خلال اعتبار مجال الترجمة مساحة تتقاطع فيها التوترات الفكرية، واستعادة هيكل الصدام بين الخيال المفاهيمي لمارتن وشركائه الصينيين.
للتغلب على قيود الدراسات السابقة، هناك حاجة إلى نهج لا يقتصر على مجرد الكشف عن سياق تقديم نظام القانون الدولي أو النوايا الفردية للمترجم، بل يستعيد السياق التاريخي الفكري والتوترات السياسية المحيطة بفعل الترجمة. على وجه الخصوص، كان اختيار ترجمة "الدولي" إلى "وان قو" (萬國) ليس مجرد استبدال للمفردات، بل كان قرارًا رمزيًا يوضح كيف فسر المفكرون الصينيون في ذلك الوقت النظام الدولي الغربي، وكيف ربطوه بنظامهم التقليدي وصادموه وعدلوه.
بناءً على هذا الوعي بالمشكلة، يهدف هذا المقال إلى تحديد مجال ترجمة القانون الدولي في أواخر عهد أسرة تشينغ في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كـ "ساحة للصراع بين الأنظمة". بمعنى آخر، يسعى إلى استعادة عملية توليد المعنى التي نشأت عن اصطدام هيكل المناقشات في وقت الترجمة، والتفاعل بين مارتن والمتعاونين من أسرة تشينغ، والمفاهيم التقليدية للقانون العام وفهم تيان شيا الذي كان يمتلكه المفكرون الصينيون مع خطاب القانون الدولي الغربي. في هذه العملية، سيتم تحليل مصطلح "وان قو" (萬國) كمحور مركزي لكيفية ظهوره كنتيجة للتسويات السياسية والفكرية.
في الوقت نفسه، مع ملاحظة أن اليابان في نفس الفترة ترجمت "الدولي" إلى "قو جي" (國際) واستقبلت النظام الغربي، سيتم تسليط الضوء على الطبيعة السياسية لاختيار اللغة الذي أظهرته الصين من خلال مقارنة الترجمتين المختلفتين "وان قو" (萬國) و"قو جي" (國際). من خلال ذلك، سيتم الكشف عن أن فعل الترجمة ليس مجرد أداة لنقل المفاهيم الأجنبية، بل هو عمل فكري وسياسي يخلق رؤية جديدة للعالم وتصورًا للنظام.
في هذا الصدد، يؤكد ين (Yin) أن المفكرين الصينيين لم يتفاعلوا بشكل سلبي مع ترجمة مارتن، بل كانت هناك محاولة لتشكيل مفهوم "القانون العام" الخاص بهم ضمن أفكارهم. لقد رأى أن الترجمة لم تكن مجرد قبول للمفاهيم الأجنبية، بل كانت عملية تفاوض نشطة لإعادة تشكيل نظام "تيان شيا" التقليدي. (Zhiguang Yin, 2016) علاوة على ذلك، حللت مينغ تشيان لي (Mingqian Li) أن اختيار الكلمات المترجمة لم يكن مجرد مسألة لغوية، بل كان ممارسة أعادت فيها الصين تشكيل مؤسساتها ومفاهيمها التقليدية للتكيف مع النظام الدولي الجديد. (Mingqian Li, 2021) علاوة على ذلك، يشير جيه داسبريمون (J d’Aspremon) إلى أن الخطاب القانوني الدولي في المناطق الناطقة بالصينية والإنجليزية يستند إلى أنظمة معاني مختلفة، وأن الأحداث نفسها تتطور بسرديات مختلفة. (J d’Aspremon, 2021) كما يوضح هذا أن الترجمة ليست مجرد قناة لنقل المعنى، بل هي مكان معقد تتدخل فيه التفسيرات الثقافية. بناءً على هذه المشكلة والنقاشات النظرية، يسعى هذا المقال إلى استعادة الآثار التاريخية الفكرية لاختيار الكلمات المترجمة، مع التركيز على سؤال "لماذا "وان قو" بالتحديد؟". سيعيد هذا النظر في تاريخ قبول القانون الدولي في الصين في سياق لغوي سياسي، وسيساهم في توضيح ديناميكيات تحول النظام واختيار اللغة في منطقة شرق آسيا.
ثانياً. نقطة انطلاق ترجمة القانون الدولي: من تقديم النظام إلى تحول إدراك النظام
1. الصدام مع القوى الغربية، والحاجة إلى إضفاء الطابع المؤسسي على الدبلوماسية بعد حرب الأفيون (1) صدمة حرب الأفيون ونظام المعاهدات غير المتكافئة
كانت حرب الأفيون عام 1840 حدثًا صادمًا جعل أسرة تشينغ تواجه حقيقة أن نظام العلاقات الخارجية الهرمي الذي يتمحور حول الصين لم يعد صالحًا. من خلال معاهدة نانجينغ (1842) ومعاهدة بكين (1860)، تعرضت الصين لضربات شديدة في سيادتها وأراضيها واستقلاليتها الاقتصادية، وبرزت الدبلوماسية كمهمة عملية لا يمكن التعامل معها بالآداب التقليدية.
هذا التغيير حفز ظهور استراتيجية دبلوماسية جديدة في الصين تُعرف بـ "الدبلوماسية القائمة على احترام المعاهدات (信守外交)". وهذا يعني تحولاً في النموذج من الدبلوماسية التي تركز على الهرمية والآداب إلى دبلوماسية قانونية ومؤسسية تستند إلى المعاهدات والقواعد الدولية. لم يعد التصور الذاتي الدبلوماسي القديم القائل بأن "الغرب همجي والصين متحضر" قابلاً للاستمرار، وبرزت البراغماتية الدبلوماسية والمأسسة كمهام ملحة.
يصف روني سفرفيرود هذا التغيير بأنه "تحول إبستمولوجي ومؤسسي من النظام الهرمي الأخلاقي إلى دبلوماسية قائمة على المعاهدات".48) يشير دينغ وفيربانك أيضًا إلى أن أسرة تشينغ، بعد معاهدة نانجينغ، قبلت مبدأ "المساواة السيادية" الغربي في ظل نظام المعاهدات غير المتكافئة، محللين ذلك على أنه تغيير جذري في الهوية الدبلوماسية للصين.49) يعتبر هان سانغ هي هذه الفترة نقطة تحول مهمة في تاريخ القانون الصيني، حيث أدركت الصين، تحت ضغط غربي، أن القانون ليس مجرد أداة للقوة والإخضاع، بل هيكل للتفاوض.48) Rune Svarverud, International Law as World Order in Late Imperial
China, Brill, 2007, p. 36.
49) Deng Siyu & John K. Fairbank, Research Guide for China's Response
to the West, Harvard University Press, 1954, p. 51. وأدت هذه العملية إلى الحاجة إلى ترجمة وفهم مفاهيم مثل المعاهدات والسيادة والقوانين.50)
هذه الصدمات الخارجية تطلبت في الوقت نفسه إصلاحات مؤسسية داخلية. كان النظام الدبلوماسي الذي يعتمد على الوثائق الدبلوماسية التقليدية والمراسلات الرسمية وآداب الجزية غير قادر على مواجهة الدول الحديثة بشكل فعال. ونتيجة لذلك، في عام 1861، أنشأت أسرة تشينغ مكتب شؤون العموم (總理衙門) كجهاز دبلوماسي أكثر عملية، وأصبحت ترجمة القانون الدولي جزءًا من بناء هذا النظام الدبلوماسي الجديد.
في النهاية، لم تكن حرب الأفيون مجرد صراع عسكري، بل كانت مناسبة دفعت الصين إلى إعادة تقييم الإطار الأساسي للنظام العالمي الذي كانت تقع فيه. ترجمة "قانون الدول العشر" (萬國公法) هي نتاج هذه التغييرات، ويمكن القول إنها بدأت في سياق محاولات أسرة تشينغ لإقامة علاقات جديدة مع القوى الغربية من خلال اللغة القانونية والقواعد الدبلوماسية. كما أشار إغناسيو دي لا راسيا وكونغيان تساي، كانت حرب الأفيون "حدثًا شق الأساس الإبستمولوجي والوجودي للعالم السنترالي الصيني".51) لذلك، لم تكن الترجمة مجرد تبني للمؤسسات، بل كانت أيضًا تحولاً في طريقة التفكير.
(2) تأسيس مكتب شؤون العموم وأهميته
في مارس 1861، كان تأسيس مكتب شؤون العموم (總理衙門، Zongli Yamen) بقيادة الأمير غونغ (恭親王) حدثًا مؤسسيًا يرمز إلى التحول التاريخي في النظام الدبلوماسي لأسرة تشينغ. يشير الاسم الرسمي "مكتب شؤون جميع الدول" (總理各國事務衙門) إلى "مكتب يتولى شؤون جميع الدول"، مما ينبئ بتحول جديد في التصور الدبلوماسي يفترض علاقات دبلوماسية متعددة الأطراف، مبتعداً عن نظام العلاقات الخارجية القائم على الجزية. وهذا يمثل أهم ابتكار مؤسسي في الهيكل المركزي لأسرة تشينغ منذ إنشاء مكتب الشؤون العسكرية (軍機處) في عهد الإمبراطور يونغ تشنغ عام 1729، مما يمنحه أهمية كبيرة ليس فقط للدبلوماسية ولكن أيضًا للفكر الإداري.52) 50) Han Sang-hee, The Circulation of International Legal Terms in East
Asia, p. 4.
51) Ignacio de la Rasilla & Cai Congyan, The Cambridge Handbook of
China and International Law, 2024, Ch. 1. ، وكان هذا الابتكار المؤسسي الأهم في الهيكل المركزي لأسرة تشينغ منذ إنشاء مكتب الشؤون العسكرية (軍機處) في عهد الإمبراطور يونغ تشنغ عام 1729، مما يمنحه أهمية كبيرة ليس فقط للدبلوماسية ولكن أيضًا للفكر الإداري.52)
على عكس الأجهزة الدبلوماسية المؤقتة السابقة، كان مكتب شؤون العموم مؤسسة دائمة لإجراء اتصالات دبلوماسية مستمرة مع الدول الأجنبية. من خلال ذلك، أدركت أسرة تشينغ وجود القوى الغربية ليس فقط كـ "كيانات خارج حدود الحضارة"، بل كدول ذات سيادة قابلة للتفاوض، وتوصلت إلى وعي داخلي بالحاجة إلى مكتب متخصص للتعامل مع الممارسات الدبلوماسية الفعلية. خاصة، يشير تعبير "جميع الدول" (各國) إلى نقطة تحول لغوية توحي بنظام متعدد الجنسيات وهيكل دبلوماسي أفقي، وهو أمر لم يكن متصورًا في نظام اللغة "العالمي" (天下) السابق. يشير إغناسيو دي لا راسيا وتساي كونغيان إلى هذا الاسم، محللين أن "اسم مكتب شؤون العموم نفسه يعكس تحول النموذج من النظام المتمحور حول الصين إلى الفكر الدبلوماسي الدولي".53)
لم يكن مكتب شؤون العموم مجرد جهاز دبلوماسي، بل أصبح لاحقًا القاعدة المؤسسية الرئيسية التي قادت "حركة التقوية" (自強運動) و"إصلاحات تونغ تشي" (同治中興) في أسرة تشينغ. تحت قيادة الأمير غونغ ووين شيانغ (文祥)، تولى مكتب شؤون العموم مسؤولية التفاوض مع السفراء الأجانب، وتفسير المعاهدات، وترجمة الوثائق، بالإضافة إلى دراسة وترجمة الأنظمة والقوانين الغربية. وهذا فتح الباب أمام إمكانية القبول المؤسسي لمفهوم جديد هو "القانون الدولي"، وبدأت عملية ترجمة "قانون الدول العشر" تحت قيادة هذه المؤسسة. يقيم سفرفيرود هذا الأمر بقوله: "بدأت ترجمة قانون ويثنوت الدولي، تحت قيادة مكتب شؤون العموم، كاستجابة منهجية"، مما يثبت على المستوى المؤسسي محاولات أسرة تشينغ للانخراط فعليًا في النظام الدولي في ذلك الوقت.54) 52) Masataka Banno, China and the West, 1858–1861, Harvard
University Press, 1964, p. 87.
53) Ignacio de la Rasilla & Cai Congyan, Op. cit.
تتجلى الشرعية السياسية لتأسيس مكتب شؤون العموم أيضًا في السجلات الاسترجاعية التي ذكرها مارتن نفسه. في كتابه "دورة كاثاي" (A Cycle of Cathay)، يذكر مارتن أنه "طلب الأمير غونغ نفسه مني الترجمة، مشيرًا إلى ضرورة فهم القوانين التي تتعامل بها الدول الغربية".55) من هذا المنطلق، لم تكن ترجمة "قانون الدول العشر" (萬國公法) نشاطًا تبشيريًا تطوعيًا فرديًا أو فضولًا أكاديميًا، بل كانت ممارسة مخطط لها مؤسسيًا كجزء من الاستراتيجية الدبلوماسية لأسرة تشينغ.
بهذه الطريقة، كان مكتب شؤون العموم مؤسسة ظهرت لمواجهة ضغوط القوى الغربية "بشكل مباشر"، ولكنه في الوقت نفسه كان مؤشرًا على أن تصور النظام الداخلي لأسرة تشينغ كان يتغير بشكل جذري. في ظل الهيكل التقليدي الذي يفصل بين الشؤون الخارجية والداخلية، كان ظهور مكتب شؤون العموم، الذي بدأ يتعامل مع "الشؤون الخارجية" بشكل متخصص ومؤسسي، أساسًا لتحقيق العمل الملموس لترجمة ويثنوت، ويرتبط إدراك "جميع الدول" (各國) بشكل وثيق باختيار الكلمة المترجمة "الدول العشر" (萬國). لهذا السبب، يمكن تفسير مكتب شؤون العموم ليس فقط كمنظمة بيروقراطية، بل كمكان جسد مؤسسيًا تحولًا في الإحساس بالنظام. مكتب شؤون العموم ليس مجرد جهاز دبلوماسي، بل يظهر التجسيد المؤسسي للإحساس اللغوي الذي تنظر به الصين إلى العالم من "العالم" (天下) إلى "الدول" (各國)، وقدم الأساس الهيكلي لاختيار مفهوم "الدول العشر" (萬國) لاحقًا.
2. اختيار موضوع ترجمة القانون الدولي وخلفية التبني (1) إدراك الحاجة إلى المعرفة بالقانون الدولي
الخلفية الأهم التي دفعت الحكومة الصينية إلى اتخاذ قرار ترجمة القانون الدولي لم تكن مجرد نقص في المهارات الدبلوماسية، بل كان إدراكًا واقعيًا بأن عدم معرفة قواعد النظام الدبلوماسي الدولي نفسه يمثل ضعفًا دبلوماسيًا. بشكل خاص، توصل الأمير غونغ إلى استنتاج مفاده أنه بعد حرب الأفيون، يصبح تأمين القدرة على التفاوض في الساحة الدبلوماسية أمرًا مستحيلاً عمليًا إذا لم يتم فهم المنطق القانوني والمؤسسات الغربية المتضمنة في نظام المعاهدات غير المتكافئة. ولهذا السبب، وبناءً على نصيحة روبرت هارت، طلب رسميًا من ويليام مارتن (W. A. P. Martin) ترجمة "عناصر القانون الدولي" (Elements of International Law) لهنري ويثنوت (Henry Wheaton)، والتي تم تنظيم القواعد الأساسية للقانون الدولي الغربي فيها.56) 54) Rune Svarverud, Op. cit., p. 39.
55) William A. P. Martin, A Cycle of Cathay, 1900, p. 276. لم تكن هذه الترجمة مجرد استيراد للنظرية القانونية الغربية. من خلال جعل مكتب شؤون العموم يختار بشكل استراتيجي النصوص التي يستخدمها الدبلوماسيون في الميدان ويترجم 24 فصلًا منها، اعتبرت الحكومة الصينية القانون الدولي ليس مجرد "معرفة"، بل أداة بقاء للدبلوماسية العملية. خاصة، كان الإصدار الذي استخدمه مارتن هو الإصدار السادس من النص الأصلي لويثنوت، والإصدار الذي أضاف إليه الدبلوماسي الأمريكي ويليام بيتش لورانس تعليقات عام 1855. تم تنظيم هذا الإصدار مع التركيز على المحتوى القابل للتطبيق في نزاعات ومفاوضات دبلوماسية فعلية، مثل الحرب، وحقوق السفراء، وعزز أيضًا النظام القيمي القائل بأن "القانون الدولي = قواعد دبلوماسية للدول المتحضرة".57)
كان هذا القرار الاستراتيجي للترجمة مهمة ملحة في الظروف الواقعية التي واجهها الدبلوماسيون الصينيون في ذلك الوقت. في المفاوضات مع الدبلوماسيين الغربيين، كانت الحجج المستندة إلى منطق ويثنوت تُطرح بشكل متكرر، وكانت الحكومة الصينية تفتقر حتى إلى اللغة القانونية الأساسية لفهم هذه الحجج والرد عليها. وصف مارتن ذلك في مذكراته قائلاً: "جهل الصين بالقانون الدولي كان أحد أوضح الأدلة على عزلتها"58)، مفسرًا أن ترجمة ويثنوت لم تكن مجرد عمل لغوي، بل ممارسة لسد الفجوات التي تحتاجها الصين للخروج من "العزلة" والتقدم نحو "التحضر".
56) Rune Svarverud, Op. cit., pp. 41-43.
57) Yan, Tsz-ting, A study of late Qing collaborative translation, 2011, p.
3 لم يكن جهل الصين بالقانون الدولي، أحد أوضح الأدلة على عزلتها"58)، مفسرًا أن ترجمة ويثنوت لم تكن مجرد عمل لغوي، بل ممارسة لسد الفجوات التي تحتاجها الصين للخروج من "العزلة" والتقدم نحو "التحضر".
في الواقع، لم يتعامل مارتن مع ترجمة ويثنوت على أنها مهمة سلبية بناءً على طلب مكتب شؤون العموم. وأوضح أنه "أصر باستمرار على ضرورة ترجمة القانون الدولي لويثنوت إلى اللغة الصينية"59)، وأنه قام بهذه الترجمة بناءً على قراره الشخصي وقناعاته. وهذا يتجاوز مجرد وصف "أن مكتب شؤون العموم أصدر تعليمات لمارتن بالترجمة"، ويظهر أن موقع الترجمة في ذلك الوقت كان مكانًا تقاطعت فيه قناعات المترجم الشخصية حول الحضارة والاستراتيجية الدبلوماسية للحكومة الصينية. في الوقت نفسه، يُنظر إلى محتوى الترجمة نفسه على أنه يعكس جزئيًا وجهة نظر مارتن اللاهوتية والثقافية، ويصف تشيغوانغ ين ذلك قائلاً: "لم يتم قبول القانون الدولي ببساطة كمعرفة غربية، بل أعيد بناؤه في عملية الترجمة ليتم دمجه مع النظام الصيني التقليدي".60)
في النهاية، كان اختيار ويثنوت لنص القانون الدولي محاولة من الحكومة الصينية لتسليح قدراتها الدبلوماسية باللغة القانونية، وفي الوقت نفسه كان مشروع ترجمة سياسيًا اندمج مع فكرة "القانون الدولي = المعايير العالمية للدول المتحضرة" كما فهمها مارتن. في ظل هذه الديناميكية المزدوجة، لم يكن حدث "ترجمة القانون الدولي" مجرد استيعاب، بل أصبح فضاءً فكريًا أعيد فيه تنظيم المعرفة والنظام.
58) William A. P. Martin, The Awakening of China, p. 285. 59) William A. P. Martin, Op. cit., p. 287. (2) قضية السفينة البروسية-الدانماركية وقيمة القانون الدولي العملية
60) Zhiguang Yin, Op. cit., pp. 7-8. في عام 1864، كانت حادثة الاستيلاء على سفينة دانماركية في المياه الصينية بالقرب من ميناء داغو (大沽) حدثًا حاسمًا دفع أسرة تشينغ إلى ترجمة القانون الدولي، وسجل كحالة دبلوماسية أثبتت فعالية ترجمة مارتن. في ذلك الوقت، استولت بروسيا، أثناء حربها مع الدنمارك، على ثلاث سفن دنماركية بالقرب من الساحل الصيني، واحتج الأمير غونغ بشدة، مشيرًا إلى أن الأعمال العسكرية التي تمت في المياه الصينية تنتهك سيادة الصين ومبدأ الحياد.61)
استند الأمير غونغ في حجته ضد بروسيا إلى حقوق الدول المحايدة في زمن الحرب، ومفهوم "البحر الإقليمي" (領海) المنصوص عليه في المعاهدات بين الدول، والمذكورة في كتاب ويثنوت. وكتب في رسالة: "تذكر المعاهدة السلمية المبرمة بين الصين وبلدكم (بروسيا) بوضوح عبارة "البحار الصينية" (中國海洋)، وهذا مبدأ مشترك وتعبير عن الولاية القضائية ينطبق على جميع المعاهدات مع الدول الأجنبية".62) في هذا السياق، طبق الأمير غونغ مبدأ ويثنوت الذي يحظر الأعمال العدائية في المياه المحايدة، مما أثبت عمليًا أن القانون الدولي يمكن أن يعمل كوسيلة لحل النزاعات الدبلوماسية الواقعية.
لم تتصاعد هذه الحادثة إلى صراع مسلح بين البلدين، وتم إنهاء النزاع سلميًا مع قبول احتجاج الجانب الصيني. بعد ذلك، أولت الحكومة الصينية اهتمامًا للفائدة الدبلوماسية لترجمة ويثنوت، ووافقت على الدعم المالي للنص المترجم من قبل مارتن ونشره رسميًا. وقد ذكر مارتن في مذكراته أنه "تلقينا رسالة شكر من وزارة الخارجية الصينية، وتقييمًا بأن هذه الترجمة قدمت مساعدة عملية كبيرة لدبلوماسييها".63) 61) Rune Svarverud, Op. cit., pp. 45-46. 62) Rune Svarverud, Op. cit., pp. 46 وأثبتت هذه الحادثة بوضوح أن ترجمة ويثنوت لم تكن مجرد عمل نابع من فضول أكاديمي أو رغبة ثقافية، بل كانت "ترجمة عملية" أجريت كجزء من استراتيجية دبلوماسية وطنية. علاوة على ذلك، من خلال ربط الأمير غونغ لمفهوم "البحر الداخلي" (內海) الصيني التقليدي بمفهوم "البحر الإقليمي" (territorial sea) لويثنوت، فسر وبرر النظام الصيني بلغة القانون الدولي الغربي، مما يدل على أن الترجمة في ذلك الوقت لم تكن مجرد استبدال لغوي، بل كانت محاولة لربط الأفكار. يقيم هان سانغ هي هذه الحادثة كمثال على "توطين" (localization) نطاقات القانون الدولي، محللاً أن مفهوم "البحر الإقليمي" (territorial sea) بدأ يكتسب معنى ملموسًا في سياق شرق آسيا منذ هذه النقطة.64)
في النهاية، كانت حادثة داغو عام 1864 بمثابة ساحة دبلوماسية أثبتت "فائدة الترجمة"، وعملت كحالة توضح أنه تم استخدام "قانون الدول العشر" (萬國公法) بنشاط في الاستراتيجية الدبلوماسية الصينية حتى قبل نشره. وصفت ماريا أديل كاراي هذه الحادثة بأنها "نقطة تحول أثبتت عالمية القانون الدولي وإمكانية تطبيقه، من حيث أنه لم يُترجم فحسب، بل تم تطبيقه أيضًا في نزاعات دبلوماسية فعلية".65)
بهذه الطريقة، لم تكن عملية التبني المؤسسي لقانون ويثنوت الدولي في النظام الدبلوماسي لأسرة تشينغ مجرد استيعاب لمعرفة خارجية، بل كانت نقطة تحول تنبئ بصراع مع النظام التقليدي. قد تبدو عملية تأسيس مكتب شؤون العموم، والموافقة على ترجمة ويثنوت، وتنظيم موظفي الترجمة، كتكيف مؤسسي مع النظام الغربي من الناحية الظاهرية، ولكن في جوهرها، كان هناك تغيير أساسي يتمثل في تحول "لغة النظام". واجه المسؤولون والمترجمون في أواخر عهد أسرة تشينغ ليس فقط تبني مؤسسات جديدة، بل أيضًا تحولًا في هيكل التفكير حول "ما هي الدولة، وما هو القانون"، وهو الإدراك العالمي الذي مكن هذه المؤسسات.
63) William A. P. Martin, The Awakening of China, p. 288. 64) Han Sang-hee, Op. cit., pp. 6-7. وبالتالي، لم يكن تفعيل ترجمة ويثنوت مجرد عمل تقني، بل أدى إلى مهمة في تاريخ المفاهيم تتمثل في كيفية وضع المفاهيم الغربية في التقليد الفكري الصيني، وكيفية تسوية الصراعات. الآن، ستنتقل المناقشة خطوة إلى الأمام من السياق التاريخي المؤسسي، مع التركيز على مفاوضات التفكير التي أجراها المترجم مارتن ومسؤولو أسرة تشينغ حول "الدولي" (international)، والتسوية التي تم التوصل إليها من خلال تعبير "الدول العشر" (萬國).
65) Maria Adele Carrai, The Politics of History in the Late Qing Era, 2020, pp. 12-13.
III. كيف تم اختيار "الدول العشر"؟: الصراع والتسوية في موقع الترجمة
1. تفسير مارتن لـ "الدولي" (international) ونواياه الحضارية
ثالثاً. كيف تم اختيار 'العالمي'؟: التحديات والتسويات في مجال الترجمة
1. تفسير مارتن لـ 'دولي' والنية الحضارية
1. تفسير مارتن لمفهوم 'الدولي' ونواياه الحضارية
(1) الترجمة كاستراتيجية عالمية: تبشير مارتن بالقانون الطبيعي
بالنسبة لمارتن، لم يكن ترجمة القانون الدولي مجرد عمل تقني لسد النقص العملي في دبلوماسية أسرة تشينغ. في نظره، كان قانون Wheaton الدولي نظامًا قانونيًا يعبر عن التفوق الأخلاقي والنظام للعالم المتحضر الغربي، وكان فعل الترجمة الذي يهدف إلى زرع هذا النظام في الصين امتدادًا لتبشير الحضارة تحت شعار "تعميم العدالة المسيحية". من خلال عمل الترجمة، سعى إلى إدراج الصين في نظام "الله وعدالته الأبدية"، واعتبر ذلك جزءًا من مهمته في التحضر.66)
لم تكن هذه الاستراتيجية نابعة فقط من البراغماتية لزيادة القوة التفاوضية الدبلوماسية. خطط مارتن لترجمة القانون الطبيعي الدولي لويتون بطريقة تتوافق أخلاقيًا مع مفاهيم النظام الكونفوشيوسي. وفقًا لتحليل تشي جوانغ ين، قام بترجمة "القانون الطبيعي" إلى "قانون الطبيعة (性法)" وربطه بنظرية الطبيعة البشرية الكونفوشيوسية، وبدّل "الشرعية العالمية" للقانون الدولي بمصطلح "مبدأ السماء (天理)" لمحاولة وضعه بشكل طبيعي ضمن إطار تفكير المثقفين الصينيين.67) عملت استراتيجية الترجمة هذه كآلية عقلانية سياسية استعارت الأخلاق الكونفوشيوسية، وكانت أيضًا وسيلة لإخفاء نوايا مارتن الحضارية.
علاوة على ذلك، اتبع استراتيجية تقادم تهدف إلى تحديد فترة الربيع والخريف والربيع والخريف في الصين كمصدر للقانون الدولي الغربي. تشير ماريا أديل كاري إلى أن مارتن أعاد تفسير فترة الربيع والخريف والربيع والخريف على أنها فترة "القانون الدولي الأولي" وحاول مطابقة النظام بين الدول الإقطاعية في ذلك الوقت مع نظام الدول ذات السيادة الحديثة في أوروبا.68) من خلال ذلك، جعل مارتن إدخال القانون الدولي يبدو وكأنه عمل استعادة متجذر في التقاليد الصينية، وحاول جعله يُقبل من قبل المثقفين الصينيين على أنه "إعادة تأكيد للنظام الأصلي" بدلاً من "استيراد للنظام الغربي".
تتجلى استراتيجية التعميم هذه بوضوح في ذكريات مارتن نفسه. قال إن هدفه النهائي كان "تمكين الصين من الوقوف جنبًا إلى جنب مع الدول المتحضرة من الناحية الأخلاقية والدبلوماسية". في نظره، كان القانون الدولي "حضارة" قبل أن يكون "قانونًا"، وكانت الترجمة بحد ذاتها مشروعًا فكريًا لتصميم نظام عالمي أخلاقي.
ومع ذلك، فإن استراتيجية الترجمة هذه اصطدمت جوهريًا مع مفهوم القانون العام (公法) الذي فهمه مثقفو أسرة تشينغ، أي الهيكل النظامي الذي يفترض التمييز بين الداخل والخارج ونظام الجزية. على الرغم من أن مصطلحات "الأخلاق" و "مبدأ السماء" قد تبدو متشابهة، إلا أن الشروط المسبقة للنظام التي تضمنتها - مثل الفصل المتساوي للدول ذات السيادة الغربية والعلاقات التعاقدية - كانت غير متوافقة مع النظرة الهرمية للعالم. ونتيجة لذلك، لم تكن ترجمة مارتن مجرد ترجمة بسيطة للمثقفين الصينيين المتعاونين، بل كانت صدمة فكرية، وأدت إلى استراتيجية تسوية لاحقة تسمى "اختراع القانون العام الصيني القديم"، والتي سيتم تحليلها في القسمين 1-2.
(2) استراتيجية "التقادم" للقبول الصيني: اختراع فترة الربيع والخريف والربيع والخريف
لم يكتفِ ويليام مارتن بتقديم قانون Wheaton الدولي كمعرفة خارجية بسيطة، بل سعى أيضًا إلى تقليل النفور الثقافي من المفاهيم المترجمة من خلال التأكيد على وجود أنظمة معيارية مماثلة بالفعل في التقاليد الصينية. على وجه الخصوص، قدم الممارسات الدبلوماسية بين الدول الإقطاعية في فترة الربيع والخريف والربيع والخريف كنموذج أولي للقانون الدولي الغربي، متبعًا "استراتيجية التقادم" لتكوين أصول صينية للقانون الدولي. كانت هذه الاستراتيجية عملًا تاريخيًا يهدف إلى إعادة تقديم القانون الدولي "كنظام كان موجودًا في الصين في الأصل"، وبالتالي إيجاد شرعية النظام الخارجي في التقاليد الداخلية.
في كتابه "دورة كاثاي"، ذكر مارتن: "لتقديم القانون الدولي إلى الصين، تتبعت أصوله في مفاوضات الدول الإقطاعية القديمة"، مقترحًا "بذور" القانون الدولي من خلال أمثلة فترة الربيع والخريف والدول المتحاربة. 69) لقد وازن بين مفهوم "القانون العام للربيع والخريف" (春秋公法) في كتاب "الربيع والخريف" (春秋) لكونفوشيوس والقانون الطبيعي الغربي (natural law)، محاولًا بناء تماثل في الشمولية الأخلاقية. أشار تشيغوانغ ين إلى أن هذه العملية لم تكن مجرد اقتران للمفاهيم، بل كانت إزاحة استراتيجية للمعنى (substitution of meaning) تؤكد على الشرعية الأخلاقية للقانون الدولي من خلال الربط بين القانون الطبيعي ومبادئ السماء (天理). 70)
تحلل ماريا أديل كاري أيضًا أن مارتن حاول زيادة قابلية القانون الدولي للتبني من خلال هذه الاستراتيجية. وفقًا لها، "من خلال وضع جذور القانون الدولي في الصين القديمة، شكل مارتن ألفة ثقافية وحاول تقليل المقاومة." 71) هذا يعني أن ترجمة مارتن لم تكن مجرد ترجمة لوثائق دبلوماسية، بل كانت عملية تصميم للقبول الثقافي.
تبدو استراتيجية التقادم هذه، ظاهريًا، احترامًا للتقاليد الصينية، لكنها في الواقع كانت جزءًا من استراتيجية حضارية لتبرير إدخال النظام الغربي. استخدم مارتن إطار "كان لدى الصين أيضًا قانون عام" لطمس حقيقة أن القانون الدولي هو نظام أجنبي، وبذلك صاغ أيديولوجية الترجمة لتجنب إثارة "الكرامة الثقافية". نجح هذا في جعل المسؤولين في عهد أسرة تشينغ في ذلك الوقت يدركون القانون الدولي على أنه نوع من "إعادة اكتشاف نظامهم الخاص"، مما أضعف المقاومة النفسية لتحول النظام القانوني.
ومع ذلك، فإن "القانون العام للربيع والخريف" الذي قدمه كان في الواقع مبدأ أخلاقيًا للإدارة الداخلية وجهازًا لتبرير سلطة الحاكم، وكان يتعارض مع الافتراضات الأساسية للقانون الدولي كنظام تعاقدي متساوٍ بين الدول ذات السيادة الأوروبية. وبذلك، شكلت استراتيجية التقادم لمارتن نقطة التقاء حيث تصادم النظام التقليدي والنظام الأجنبي، ويرتبط هذا الصدام المفاهيمي بالسياسة اللاحقة لاختيار المصطلحات المترجمة. 2. صدام نظام "العالم" ومفهوم "الدولي"
(1) صدام المفاهيم: الاختلافات الهيكلية بين نظام العالم والنظام الدولي
كانت عملية ترجمة واستيعاب "القانون الدولي" ليست مجرد تحويل لغوي، بل كانت صدامًا بين تصورات مختلفة للنظام. واجهت الصين في أواخر عهد أسرة تشينغ القانون الدولي كنظام قائم على مبدأ الدول ذات السيادة المتساوية، لكن نظامها الدبلوماسي في ذلك الوقت كان لا يزال متجذرًا في هيكل مكاني هرمي مركزيته "العالم" (天下). تصادمت هذان النظامان جوهريًا في جوانب رئيسية مثل طريقة بناء النظام، وأساس شرعية القانون، وإدراك الحضارة.
كان النظام العالمي مبنيًا على هيكل هرمي ثقافي يضع الصين في مركز الحضارة ويصور المحيط بوصفه همجيًا. إن عبارة "لا أرض تحت السماء ليست أرضًا ملكية (普天之下莫非王土)" في "كتاب الوثائق" (Shujing) تفترض إمكانية التوسع بلا حدود، وهو ما يتعارض بشكل حاسم مع النظام الإقليمي الغربي الذي يفترض حدودًا واضحة وسيادة. يشير وانغ هوي إلى أن "تحت السماء" (Tianxia) ليس مجرد نظام سياسي، بل هو علم كونيات شامل بلا حدود، موضحًا أن الترجمة المعاصرة "كل الدول" (Wanguo) كانت استمرارًا لهذا الخيال التوسعي72).
في المقابل، تم بناء القانون الدولي الغربي، بدءًا من نظام وستفاليا، على أساس المساواة القانونية والسيادة الإقليمية والمعايير المتبادلة القائمة على العقود. يؤكد هذا النظام على المساواة الشكلية بدلاً من التفوق الثقافي، وينظم الدبلوماسية والحرب والحياد والتدخل بموجب المعاهدات أو القواعد الدولية. كان هذا نظامًا منظمًا للغاية، لا يسمح تقريبًا بأي تسوية مع نظام "تحت السماء" الذي كان يفترض الهرمية والتفوق الثقافي.
ظهر الصدام بين هذه الأنظمة بشكل واضح في مجال الترجمة. على سبيل المثال، وفقًا لتحليل مينغشيان لي، تم ترجمة مصطلح القانون الدولي "interference (تدخل)" في الوثائق التي تعود إلى عهد أسرة تشينغ إلى سبعة تعبيرات مختلفة (مثل التدخل، الإعاقة، الإدراج، المشاركة، الغزو، إلخ)، مما يدل على أن مفاهيم القانون الدولي لم تتناسب بشكل صحيح مع الهيكل اللغوي للنظام القائم.73) بالإضافة إلى ذلك، لم يتم تفسير مصطلح "القانون العام (Gongfa)" فقط كقواعد قانونية، بل من خلال مبادئ الكونفوشيوسية "لي (理)" و "يي (義)"، ولم يتم فهمه على قدم المساواة مع التعريف القانوني الغربي. بهذه الطريقة، لم تكن عملية الترجمة مجرد نقل للمصطلحات، بل كانت مجالًا لـ "صراع المفاهيم" لإعادة تأسيس الشرعية السياسية الفلسفية. 72) وانغ هوي، صعود الفكر الصيني الحديث، ص 245.
73) مينغكيان لي، مقاربة لغوية لمواجهة الصين في أواخر عهد أسرة تشينغ
تعتبر قضية السفن البروسية-الدانماركية عام 1864 مثالاً بارزًا على هذا الصدام بين الأنظمة في الممارسة الدبلوماسية الفعلية. في هذه القضية، ادعى الأمير غونغ أن خليج بوهاي هو "محيط داخلي (Neiyang)"، أي "البحر الداخلي" للصين، واحتج بأن الاشتباكات العسكرية بين الدول الأجنبية انتهكت حياد الصين. ومع ذلك، فإن مفهوم "البحر الداخلي" في ذلك الوقت كان يختلف في نطاقه المفاهيمي وأساسه القانوني عن "البحر الإقليمي" المحدد في القانون الدولي لـ ويتون، وفي النهاية تم قبوله بطريقة أعيد فيها تعريف مفهوم "البحر الداخلي" الصيني ضمن إطار القانون الدولي العالمي من خلال التفسير المنطقي لـ ويتون.74) وهذا يوضح مشهدًا مهمًا حيث لم يتعايش نظام "تحت السماء" ونظام القانون الدولي ببساطة، بل تم تعديلهما بشكل متبادل ضمن هيكل سلطة معين.
كانت حادثة السفينة البروسية-الدانماركية عام 1864 مثالاً تمثيلياً على تصادم هذه الأنظمة، والذي ظهر أيضاً في الممارسة الدبلوماسية الفعلية. في هذه الحادثة، ادعى الأمير غونغ أن خليج بوهاي هو "نِـيـْـيـَانْغ" (内洋)، أي "البحر الداخلي" للصين، واحتج بأن الاشتباكات العسكرية بين الدول الأجنبية انتهكت حياد الصين. ومع ذلك، فإن مفهوم "البحر الداخلي" في ذلك الوقت كان مختلفاً في فئته المفاهيمية وأساسه القانوني عن "البحر الإقليمي" المحدد في القانون الدولي لـ Wheaton، وفي النهاية، تم قبول المفهوم الصيني "للبحر الداخلي" من خلال التفسير المنطقي لـWheaton، بطريقة أعيد تعريفه ضمن إطار القانون الدولي الشامل.74) وهذا يظهر مشهداً مهماً حيث لم يتعايش نظام تشيانشيا المركزي ونظام القانون الدولي ببساطة، بل تم تعديلهما بشكل متبادل ضمن هيكل سلطة معين.
باختصار، "تحت السماء" و "دولي" ليسا مجرد اختلافات في أسلوب التعبير، بل هما في حد ذاتهما طرق مختلفة لتبرير النظام وهيكلة العالم. أحدهما هو نظام توسعي هرمي يركز على الحضارة، والآخر هو نظام حدودي يقوم على المساواة في السيادة. هذا الصدام بين المفاهيم ليس مجرد مسألة اختيار لغوي، بل يؤدي إلى سؤال حول أي عالم تخيل المترجمون والمستقبلون كنظام. لذلك، كان اختيار ترجمة "دولي" إلى "كل الدول" (Wanguo) نتيجة لتسوية سياسية وفكرية تاريخية، وليس قرارًا لغويًا.
(2) التجليات الدبلوماسية للصدام: قضية السفن البروسية-الدانماركية وارتباك المصطلحات
لم يقتصر صدام نظام "تحت السماء" ونظام القانون الدولي على مستوى الفكر المفاهيمي. تجلى هذا الصراع المجرد في شكل نزاع دبلوماسي ملموس تمثل في حادثة استيلاء بروسيا على سفن دنماركية عام 1864. كانت هذه الحادثة أول مثال عملي لاستخدام قانون ويتون الدولي كأداة عملية في الدبلوماسية الصينية في عهد أسرة تشينغ، ومشهد حاسم أثبت الصراع الهيكلي الفكري لقبول المفاهيم الغربية.74) رون سفرفيرود، المرجع السابق، ص 45-46.
في ربيع عام 1864، بينما كانت الحرب الأوروبية بين بروسيا والدنمارك مستعرة، استولت بروسيا على ثلاث سفن دنماركية في ميناء داغو (大沽) بالقرب من تيانجين بالصين. ونتيجة لذلك، احتج الأمير غونغ (恭親王)، ممثل أسرة تشينغ، على الفور، مدعيًا أن المنطقة البحرية المعنية هي "محيط داخلي" للصين، وأن أنشطة الحرب الأجنبية لا يمكن السماح بها في هذه المياه الإقليمية. لم يكن هذا مجرد نزاع دبلوماسي، بل كان تصادمًا مباشرًا بين مفهوم "البحر الإقليمي" في القانون الدولي الغربي ومفهوم "البحر الداخلي" الصيني.
في رسالة الاحتجاج التي أرسلها الأمير غونغ إلى الوزير البروسي فون ريفيس (von Rehfues)، طرح الأمير منطقًا مفاده أن المياه الصينية تندرج ضمن "البحر الصيني" المنصوص عليه في المعاهدة، وهو "منطقة تضمن سيادتها معاهدة السلام مع الدول الأجنبية". استند هذا المنطق إلى منطق قانون ويتون الدولي، وخاصة أحكام "حقوق الدول المحايدة" و "الولاية البحرية"، ودعا بذلك إلى انتهاك حياد الصين من منظور القانون الدولي.75)
ومع ذلك، لم يكن لمصطلح "البحر الداخلي" في ذلك الوقت تعريف واضح في القانون الدولي، ولم يكن مطابقًا تمامًا لمصطلح "البحر الإقليمي". بمعنى آخر، حاول الجانب الصيني مساواة مفاهيم قانون ويتون الدولي مع مفاهيم نظامه التقليدي، لكن الأساس المفاهيمي لكليهما كان مختلفًا جوهريًا. وهذا يكشف أن اختيار المصطلحات لم يكن مجرد فعل ترجمة، بل كان قضية تتطلب استيعاب وتعديل كامل لمفهوم النظام.
يلتقط مينغشيان لي هذا الارتباك المفاهيمي في مشكلة ترجمة "interference (تدخل)". وفقًا له، تم ترجمة "تدخل" في وثائق أسرة تشينغ إلى أكثر من سبعة تعبيرات (مثل التدخل، الإزعاج، التلصص، التدخل، إلخ)، وكانت هذه نتيجة لعدم وضوح المفاهيم والمقاومة الثقافية.76) وبالمثل، فإن عدم التطابق بين "البحر الإقليمي" و "المحيط الداخلي" كان مثالًا حيث أدى عدم التطابق المفاهيمي إلى غموض قانوني وصراع في الممارسة الدبلوماسية.
على الرغم من ذلك، تُقيّم هذه القضية على أنها أول حالة استخدمت فيها الدبلوماسية الصينية قانون ويتون الدولي بشكل عملي. تم حل القضية سلميًا، واقترح الأمير غونغ على الفور نشر النسخة المترجمة من قبل مارتن رسميًا. طلب تخصيص ميزانية بناءً على الفائدة العملية التي قدمها الكتاب المترجم لوزرائه، مما أدى إلى التوزيع الشامل لـ "القانون العام لجميع الدول" (Wanguo Gongfa).77) وهذا مشهد رمزي يشير إلى أن الترجمة لم تكن مجرد استيعاب للأفكار، بل كانت نقطة انطلاق للممارسة السياسية والمأسسة.
باختصار، كانت هذه القضية بمثابة صدام بين مفهوم "الشمول والمركزية" المتأصل في نظام "تحت السماء"، ومبدأ "الحدود وفصل الحقوق" الأساسي في القانون الدولي. وفي الوقت نفسه، تظهر العملية التي قيد فيها عدم التطابق المفاهيمي وغموض المصطلحات الاستجابة الدبلوماسية أو عدلتها بشكل خلاق. عملت النسخة المترجمة من قبل مارتن في هذه المرحلة ليس فقط كنقل للمعرفة القانونية الغربية، بل كأداة لتحويل النظام، وبذلك اكتسب "القانون العام لجميع الدول" مكانة كعمل عملي تم التحقق منه في الميدان الدبلوماسي.
(3) تعدد معاني ترجمة "التدخل" والمقاومة الثقافية
تعمل كلمة "interference" في القانون الدولي كقاعدة مهمة مثل مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول أو حظر التدخل بالقوة. ومع ذلك، 76) مينغشيان لي، المرجع السابق، ص 5-6.
77) ويليام أ. ب. مارتن، المرجع السابق، ص 288. كانت عملية ترجمة هذا المفهوم إلى الصينية في أواخر القرن التاسع عشر مشهدًا عمليًا مكثفًا لصراع مفاهيم القانون الدولي الغربي والثقافة السياسية الكونفوشيوسية، ولم تكن مجرد اختيار للمفردات. في ذلك الوقت، لم يستقر "التدخل" كمصطلح ترجمة موحد، بل تم ترجمته إلى أكثر من سبعة تعبيرات مختلفة - 干涉 (تدخل)، 插手 (تدخل)، 介入 (دخول)، 壓力 (ضغط)، 控制 (تحكم)، 攪擾 (إزعاج)، 調停 (وساطة).78) يعكس هذا التجزئة في الترجمة أن مفهوم "التدخل" لم يكن له نقطة مقابلة واضحة ضمن نظام تفكير المفكرين الصينيين.
73) مينغشيان لي، نهج لغوي لمواجهة الصين في أواخر عهد أسرة تشينغ مع القانون الدولي، ص 5-6.
أدى عدم استقرار المصطلحات هذا أيضًا إلى ارتباك في الممارسة الدبلوماسية الملموسة. على وجه الخصوص، كان يجب أن يكون للمفاهيم المتعلقة بـ "التدخل" تأثير قانوني دقيق في مواقف مثل الاحتجاجات الدبلوماسية، وحظر التدخل في الشؤون الداخلية، أو طلب الوساطة، ولكن عندما تمت ترجمة هذه المصطلحات بشكل غير متسق، أثر ذلك على مصداقية واتساق الدبلوماسية العملية. يشير سفرفيرود إلى أن تعددية وعدم اليقين في هذه المصطلحات شكلت عائقًا هيكليًا أمام انضمام الصين الكامل إلى نظام القانون الدولي، مؤكدًا أن الترجمة كانت جبهة لقبول المفاهيم ومساحة للتفاوض بين الأنظمة.79)
78) مينغشيان لي، المرجع السابق، ص 113-117. 79) رون سفرفيرود، المرجع السابق، ص 108-110. في النهاية، يوضح الانقسام في الترجمة الذي حدث حول كلمة "التدخل" حقيقة أن ترجمة القانون الدولي في أواخر عهد أسرة تشينغ لم تكن مجرد فعل لغوي لنقل مفاهيم أجنبية، بل كانت ساحة لصراع مفاهيمي تاريخي لا مفر منه مع النظام الغربي. وهذا يوفر دليلًا لفهم سبب اضطرار أسرة تشينغ إلى اختيار مصطلح "كل الدول" (Wanguo)، وهو مصطلح أكثر شمولًا وأقل عبئًا من حيث الاتساق، بدلاً من "دولي" (Guoji)، الذي يفترض المتبادلة القانونية والتعاقدية، عند مقابلة كلمة "international".
3. عملية التفاوض بين المترجم والمستقبل
(1) تشكيل هيكل التعاون: مأسسة الترجمة وتوزيع الموظفين
لم تكن ترجمة "القانون العام لجميع الدول" (Wanguo Gongfa) مجرد عمل فردي لمارتن، بل كانت نتيجة لترجمة تعاونية قامت بها مؤسسات الدولة ومجموعات المفكرين في أواخر عهد أسرة تشينغ. عندما اقترح مارتن الترجمة لأول مرة، طلب فقط دعم "مسؤول كفء واحد"، لكن أسرة تشينغ اعتبرتها "جزءًا من استراتيجيتها الدبلوماسية" وقامت برد فعل أكثر تنظيمًا. قامت وزارة الشؤون الخارجية (Zongli Yamen) في المقام الأول بإرسال أربعة علماء (He Shimeng, Li Dawen, Zhang Wei, Cao Jingrong) لدعم صياغة مارتن الأولية، ثم، بعد إدراك صعوبة الترجمة ومشكلة نقل المعنى، أرسلت 4 موظفين إضافيين (Chen Qin, Li Changhua, Fang Junshi, Mao Hongtu) على مدى ستة أشهر لإجراء تصحيحات أسلوبية وتعديلات مفاهيمية. تشير هذه التعيينات المنهجية للموظفين إلى أن الترجمة كانت جزءًا من تخطيط مؤسسي يهدف إلى تعزيز القدرة الدبلوماسية لأسرة تشينغ، وليس مجرد قبول لغوي.
هذا التعاون، الذي يبدو ظاهريًا كدعم للترجمة، كان في الواقع عملية تدخل فيها المسؤولون والعلماء من أسرة تشينغ بشكل فعال في اختيار المفاهيم وتكوين الأسلوب للترجمة. على سبيل المثال، تم تعديل المصطلحات المفاهيمية مثل "السيادة" (Zhuquan) بالاقتران مع شبكة المعاني المشتقة من "السيد" (Zhuren) في التقاليد الكونفوشيوسية، وفي حالة "القانون العام" (Gongfa)، تم تعريفه على أنه "قواعد عامة يجب الالتزام بها لتبادل الدول"، وهو تعريف مرن إلى حد ما، بدلاً من ترجمته بمعنى القواعد الدولية الموحدة.81) وهذا يوضح أن مفاهيم القانون الدولي الغربي لم تُترجم ببساطة، بل أعيد بناؤها من قبل المترجمين.
يظهر هيكل التعاون هذا بشكل متكرر في ذكريات مارتن نفسه. وأشار إلى أنه "ناقش معاني كل مصطلح بشكل متكرر مع العلماء الصينيين وشارك في عملية تنقيح الأسلوب"، مؤكدًا أن الترجمة كانت نتاجًا لمشاورات وتعديلات متعددة الطبقات.82) علاوة على ذلك، فإن حقيقة أن الدافع وراء بدء مارتن للترجمة كان مبنيًا على طلبات من كبار المسؤولين في أسرة تشينغ مثل الأمير غونغ وون سانغ، وأن أسرة تشينغ نظمت بنفسها "مجموعة مساعدين صينيين" للترجمة، يوضح بشكل قاطع أن هذا العمل كان جهدًا منهجيًا تم تحت تخطيط السلطة الوطنية في أواخر عهد أسرة تشينغ.83)
في النهاية، لم تكن ترجمة "القانون العام لجميع الدول" (Wanguo Gongfa) نتيجة لجهد مفكر فردي، بل كانت نتيجة لتنسيق في مساحة تفاوض متقاطعة فيها المصالح السياسية والصراعات الفكرية. وهذا لا يعني مجرد العمل المشترك، بل يوضح الهيكل الذي تفاوض فيه المترجمون والمستقبلون وعدلوا نظامًا جديدًا معًا. في ظل هذا الهيكل التعاوني، يمكن فهم سؤال "لماذا بالذات "كل الدول" (Wanguo)؟" ليس كمجرد مسألة اختيار لغوي، بل كنتيجة لتعديل حواس النظام المختلفة من قبل أطراف متعددة.
81) مجلة قانون تشينغهوا الصينية (C. L. Tsinghua China Law Review)، ص 10. 82) ويليام أ. ب. مارتن، المرجع السابق، ص 280. 83) ويليام أ. ب. مارتن، المرجع السابق، ص 287. (2) صدام الفكر: أمثلة ملموسة للتفاوض اللغوي والثقافي.
اعتُبرت ترجمة مارتن لـ "القانون العام لجميع الدول" (Wanguo Gongfa) تهديدًا يمكن أن يهز المشهد الدبلوماسي، ولم تكن مجرد نقل لغوي. غضب الدبلوماسي الفرنسي كليتشكوفسكي (Kleczkowski) قائلاً "يجب خنقه" (choke him off)، مجادلًا "إذا قبلت الصين ذلك، فسنعاني من مشاكل لا نهاية لها" (Carrai, 2020: 12).
وهذا يوضح أن الترجمة نفسها اعتُبرت حدثًا سياسيًا يمكن أن يزعزع استقرار نظام عدم التوازن الاستعماري. أقر المبشر الأمريكي إس. دبليو. ويليامز (S. W. Williams) أيضًا بأن ترجمة ويتون للقانون الدولي يمكن أن تتحدى نظام المعاهدات بأكمله، مما يشير إلى أن تأثير الترجمة يمكن أن يتجاوز "المعرفة المترجمة" ليعمل كـ "إعادة تسلح استراتيجي".
حتى داخل الصين، كان مارتن موضع شك، وكأنه "حصان طروادة"، وتأخرت الموافقة الإمبراطورية. ومع ذلك، بعد حادثة السفن البروسية-الدانماركية عام 1864، تم إثبات الفائدة العملية لـ "القانون العام لجميع الدول" (Wanguo Gongfa)، وتم السماح أخيرًا بنشره رسميًا. توضح هذه العملية أن الترجمة كانت ساحة للتفاوض بشأن التوترات السياسية ومكانًا لإعادة السياق للمعرفة الإمبراطورية.
لم يكن ميدان ترجمة "القانون العام لجميع الدول" (Wanguo Gongfa) مجرد عملية استبدال للمفردات أو تحويل للجمل، بل كان ساحة للتفاوض الأيديولوجي حيث تصادمت أنظمة النظام الغربي وأنظمة الفكر الصيني التقليدي وأعيد تشكيل حدود المعنى. واجه مارتن ومسؤولو أسرة تشينغ ومجموعة المترجمين توترات وصراعات متكررة في عملية ترجمة وتنسيق المفاهيم الأساسية مثل "القانون العام" (Gongfa)، "السيادة" (Zhuquan)، "التدخل" (Ganbao)، و "التصديق" (Pizhun) بناءً على خلفياتهم الثقافية ومواقفهم السياسية المختلفة.
تتضح هذه الصراعات بشكل أكبر من خلال أمثلة ملموسة. في رواية بارزة، عندما شدد مارتن على التفوق العلمي للحضارة الغربية من خلال عرض مبدأ عمل التلغراف، رد أحد أعضاء أكاديمية هانلين قائلاً: "كانت الصين إمبراطورية عظيمة لمدة أربعة آلاف عام بدون تلغراف".84) لم يكن هذا مجرد مزحة، بل كان تعبيرًا عن اعتزاز بالنظرة العالمية الصينية بأن التقدم في الحضارة التكنولوجية لا يمكن أن يكون أساسًا للشرعية السياسية. تكررت هذه المقاومة للسرد الحضاري الغربي في عملية الترجمة لاحقًا.
على سبيل المثال، يوضح الصراع حول ترجمة مفهوم "ratification" (تصديق) هذا التوتر. في وقت توقيع معاهدة تيانجين، تمت ترجمة هذا المفهوم إلى "批准" (Pizhun)، ولكن في ترجمة "القانون العام لجميع الدول" (Wanguo Gongfa)، تم استخدام تعبير مختلف لنفس المفهوم.85) لم يكن هذا مجرد نقص في الاتساق الترجمي، بل نشأ عن اختلاف في تفسير المعنى السياسي لعمل الموافقة الدبلوماسية. في القانون الدولي الغربي، يعمل "التصديق" كإجراء لتأكيد الالتزامات القانونية بين الدول، بينما في النظرة العالمية لأسرة تشينغ، كان هناك ارتباط مباشر بتعبير عن السلطة المطلقة للإمبراطور وسلطته.
بالإضافة إلى ذلك، أصبح تفسير مفهوم "القانون العام" (Gongfa) أيضًا ساحة لمفاوضات فكرية شرسة. أظهر مارتن نية ربط القانون العام بالقانون الطبيعي المسيحي أو مفهوم "الخير العام"، لكن المتعاونين من أسرة تشينغ اقترحوا تفسيرًا مفاده "القانون العام ليس ملكًا لدولة واحدة"، مؤكدين أنه يعتمد على المفهوم الكونفوشيوسي للقاعدة العامة التي لا يمكن لدولة واحدة امتلاكها.86) في هذه العملية، يوضح أن النسخة المترجمة من وولسي (Woolsey) استخدمت لتغليف تعريف مارتن لـ "القانون العام" بقواعد الشرعية الكونفوشيوسية، وتعمل كمادة تاريخية تشهد على التوتر في الشمول والتنسيق حول كلمة واحدة.87)
تثبت هذه الأمثلة أن الترجمة لم تكن عملية تلقائية أو محايدة، بل كانت عملية صراع على التفسير حول النظام السياسي. لم يكن كل مصطلح مجرد مسألة إيجاد مكافئ لغوي، بل كان مرتبطًا بشكل مباشر بالسؤال السياسي الأكثر جوهرية حول كيفية إعادة بناء وتخيل النظام. لذلك، يجب فهم طبيعة ترجمة "القانون العام لجميع الدول" (Wanguo Gongfa) ليس من خلال "ماذا وكيف تمت ترجمته"، بل من خلال "ماذا وكيف تصادم وتنسق".
(3) التفاوض على اختيار المفاهيم: كيف تم تعديل المعاني؟
لم تكن عملية ترجمة "القانون العام لجميع الدول" (Wanguo Gongfa) مجرد استبدال للمفاهيم الأجنبية باللغة الصينية. كانت ساحة لتفاوض المعاني حول كيفية قبول المفاهيم الغربية المتعارضة مع أنظمة الفكر الحالية، بمعنى آخر، ساحة للترجمة السياسية. لم يقم المترجمون في أواخر عهد أسرة تشينغ بنقل الكلمات، بل قاموا بتعديل النظام. في هذه العملية، كان الأكثر وضوحًا هو خلق المعنى والتسوية حول المفاهيم مثل "السيادة" (Zhuquan)، "القانون العام" (Gongfa)، و "ratification".
أولاً، مفهوم "السيادة" (Zhuquan) كان مفهومًا يتعارض جوهريًا مع النظام السياسي الكونفوشيوسي. في السياق الكونفوشيوسي، كانت سلطة الحاكم منتجًا للحكم الأخلاقي (Dezhi) المفوض من السماء (Tian)، وكانت تستند إلى أسس مختلفة عن مفهوم السيادة الغربي القائم على عقد بين الحاكم والشعب. ومع ذلك، لم يرفض المترجمون هذا المفهوم ببساطة، بل وسعوا من الأصول اللغوية لمفهوم "الملك المقدس" (Shengjun) الحالي لتكوين مصطلح "السيادة" (Zhuquan).88) يمكن اعتبار هذا مثالًا على خلق مفهوم جديد داخليًا ضمن غلاف الترجمة.
كان مفهوم "القانون العام" (Gongfa) أيضًا نتاج تسوية مماثلة. فهمه مارتن على أنه القانون "للخير العام العالمي" وفقًا لتقليد القانون الطبيعي الغربي، لكن المتعاونين من أسرة تشينغ عدلوا معناه بناءً على مفاهيم "العدالة" (Yi) و "المبدأ" (Li) الكونفوشيوسية. انعكس هذا في النسخة المترجمة من وولسي (Woolsey) بشكل مباشر، حيث عرفت القانون العام بأنه "القانون الذي تتعامل به الدول... "القانون العام" ليس ملكًا لدولة واحدة".89) تم استيعاب مفهوم "العام" في شمولية كونفوشيوسية عالمية تفترض نظامًا متعدد الأطراف بدلاً من مصلحة دولة معينة، مما أدى إلى نوع من الاتصال مع مُثُل القانون الدولي الغربي.
تظهر هذه التعديلات أيضًا في ترجمة "ratification". تمت ترجمة هذا المفهوم إلى "批准" (Pizhun) في معاهدة تيانجين، ولكن في ترجمة "القانون العام لجميع الدول" (Wanguo Gongfa)، تم استخدام تعبير مختلف. ويرجع ذلك إلى أن المسؤولين من أسرة تشينغ اعتبروا عملية التصديق على المعاهدة، بدلاً من مجرد إجراء موافقة، عملاً سياسيًا يتعارض مباشرة مع السلطة المطلقة للإمبراطور.90) ونتيجة لذلك، حاول المترجمون تقليل التوترات الثقافية حول المصطلحات عن طريق اختيار تعبيرات أكثر حيادية ومجردة لتجاوز هذه التوترات.
تثبت كل هذه الأمثلة أن الترجمة لم تكن مجرد مسألة لغوية، بل كانت عملاً سياسيًا وثقافيًا لتنسيق وجهات النظر العالمية. لم يختر المترجمون الكلمات، بل كانوا فاعلين قاموا بتنسيق المعاني كنتيجة للصراع بين الأفكار. وهذا يؤكد مرة أخرى أن الترجمة كانت ساحة للتفاوض حول صراع المفاهيم. 4. سبب اختيار "كل الدول" بدلاً من "دولي"
(1) آثار الخيال المكاني: "كل الدول" واستمرارية النظام العالمي (Tianxia)
في الصين في أواخر عهد أسرة تشينغ، لم يكن اختيار تعبير "كل الدول" (Wanguo) بدلاً من "دولي" (Guoji) لترجمة مفهوم "international" مجرد استبدال مفردات. كان هذا الاختيار للمصطلح تسوية مكانية وسياسية تمت في ظل التوتر بين النظام الدولي الحديث الذي واجهته أسرة تشينغ ونظام "تحت السماء" (Tianxia) التقليدي. بمعنى آخر، كانت نتيجة لصراع الأنظمة ومشهدًا لتنسيق الإدراك العالمي.
قبل كل شيء، يرتبط تعبير "كل الدول" ارتباطًا وثيقًا بالنظام المكاني للعالم الفكري الكونفوشيوسي التقليدي. يقع "كل الدول" في سياق توسع عالمي هرمي يظهر في هيكل تتوسع فيه الصين، التي تقع في مركز "تحت السماء" (Tianxia)، تدريجيًا لتشمل المحيط، وهو يعتمد على خيال مكاني بلا حدود يهدف إلى عالم "الحضارة العالمية". في هذا السياق، كان "كل الدول" تعبيرًا يعترف بالاتصال بالعالم الخارجي مع الحفاظ على فكرة أن الصين هي مركز ومعيار العالم.91) في المقابل، يفترض "دولي" النظام السياسي الغربي الحديث للعالم المكون من كيانات سيادية متساوية ذات حدود. هذا الاختلاف يكشف عن اختلاف في طريقة التفكير حول كيفية تخيل هيكل العالم، وليس مجرد اختيار للكلمات.92)
اختيار "كل الدول" ليس مجرد انعكاس للتقاليد المكانية، بل هو أيضًا نتيجة لتسوية سياسية. لم يقبل مسؤولو ومترجمو أسرة تشينغ النظام الغربي الدولي بالكامل، بل حاولوا تكييفه مع لغة نظامهم الخاص. في هذه العملية، لم يكتف مارتن بتقديم "القانون العام لجميع الدول" (Wanguo Gongfa) كترجمة بسيطة، بل طور بنشاط خطاب "اختراع القانون الدولي الصيني القديم"، مدعيًا أن الصين القديمة كان لديها تقليد قانوني مماثل. وهذا يتزامن بشكل مثير للإعجاب مع محاولات المفكرين من أسرة تشينغ للحفاظ على كبريائهم الثقافي ومكانتهم السياسية.93) في النهاية، أصبح "كل الدول" شكلاً لغويًا للتسوية التي، مع قبول النظام الغربي، لم تفكك التقاليد الخطابية القائمة.
بالإضافة إلى ذلك، كان هذا الاختيار للمصطلح نتاجًا لقيود وإبداع الهيكل اللغوي في ذلك الوقت. في منتصف القرن التاسع عشر، لم يكن هناك في اللغة الصينية تعبير دقيق للإشارة إلى "international" كما هو الحال اليوم.91) وانغ هوي، المرجع السابق، ص 78-82.
92) رون سارفيرود، المرجع السابق، ص 145-147. 93) رون سارفيرود، المرجع السابق، ص 147 لم يكن هناك مصطلح "بين الدول" موجودًا. لذلك، سعى المترجمون إلى استيعاب المعنى من خلال مصطلح "萬國" (جميع الدول) الأكثر شمولاً ومرونة بدلاً من مصطلح "國際" (دولي) المستحدث. يمكن تفسير هذه الاستراتيجية على أنها ممارسة إبداعية لإعادة ترتيب موارد النظام اللغوي الكونفوشيوسي لترجمة مفاهيم جديدة.94)
ويبرز هذا الاختيار بشكل أكبر عند مقارنته بالحالة اليابانية. ففي عام 1873، ابتكرت اليابان مصطلح "القانون الدولي (國際法)" على يد ميتسوكوري رينشو (箕作麟祥)، وكانت نتيجة لذلك قبولًا صريحًا للنظام الدولي الذي يفترض وجود نظام الدول الحديثة. في المقابل، اختارت الصين استراتيجية استيعاب تتضمن استيعاب المفاهيم الأجنبية من خلال تعبير "萬國" (جميع الدول) مع عدم تفكيك النظام التقليدي.95)
باختصار، لم يكن اختيار مصطلح "萬國" (جميع الدول) مجرد راحة في الترجمة، بل كان نتاجًا وسطًا عند تقاطع هياكل التفكير والمساومات السياسية والقيود اللغوية. وعمل هذا المصطلح ككلمة استراتيجية للاستيعاب الثقافي، حيث حافظ على الإرث المكاني لنظام "العالم" (天下) مع قبول النظام الخارجي الجديد. وهذا يشير إلى أن الترجمة لم تكن مجرد مقابلة للمفاهيم، بل كانت فعلًا تاريخيًا فكريًا في بناء النظام العالمي.
(2) لغة المساومة: المفاوضات البلاغية بين مارتن ومسؤولي أسرة تشينغ
كانت عملية ترجمة مفهوم "international" إلى "萬國" (جميع الدول) ليست مجرد اختيار للمفردات، بل كانت ساحة للمفاوضات البلاغية حيث تصادمت وتكيفت خطابات الحضارة وتصورات النظام. لم ترفض أسرة تشينغ تمامًا المؤسسات والنظريات الغربية، لكنها في الوقت نفسه اتبعت استراتيجية بلاغية للحفاظ على نظامها التقليدي دون تفكيك مباشر.94) يان، تسو-تينغ، المرجع السابق، ص 48-50.
95) هان سانغ هي، المرجع السابق، ص 200-204. في المقابل، كان لدى مارتن مهمة حضارية تتمثل في تقديم عالمية القانون الطبيعي المسيحي إلى الصين، ولكن لكي يتم قبوله ضمن نطاق قبول مسؤولي أسرة تشينغ، كان يتطلب بعض التغليف الثقافي.
في هذه العملية، لم ينقل مارتن المفاهيم الأساسية في "萬國公法" (القانون العام لجميع الدول) ببساطة باللغة القانونية الغربية، بل ترجمها بطريقة تستدعي تقاليد الفكر الصيني الأصيلة. والمثال التمثيلي على ذلك هو تأسيس مفهوم "القانون العام (公法)". ترجم مارتن "public law" إلى "公法"، ثم فسره ليس فقط كقواعد قانونية، بل كمفهوم يتضمن النظام الأخلاقي والمنفعة العامة، موضحًا: "القانون العام هو القانون الذي تتبعه الدول عند التبادل، و"العام" يعني أنه لا يمكن أن تحتكره دولة واحدة".96) كانت هذه استراتيجية للاستفادة بنشاط من الطبيعة الأخلاقية وغير الاحتكارية لمفهوم "العام (公)" في التقليد الكونفوشيوسي لتفسير مفاهيم القانون الدولي الغربي بلغة النظام الخاص بهم.
يعترف مارتن نفسه في كتابه "A Cycle of Cathay" بأنه أعاد صياغة المصطلحات لتكون مفهومة لمسؤولي أسرة تشينغ.97) وأشار إلى أنه "ترجم "public law" إلى "公法" وشرحها لتتوافق مع المفاهيم الصينية التقليدية". وهذا يظهر أنه لم يكن مجرد ناقل لغوي، بل مترجم عملي يتفاوض على المعاني الثقافية. في الواقع، حاول أن يجذب الاعتزاز الثقافي لنخبة أسرة تشينغ من خلال خطاب "القانون الدولي الصيني القديم" الذي اخترعه، والذي يفترض وجود نظام دولي مماثل في الصين حتى في فترة الربيع والخريف والولايات المتحاربة.98)
من ناحية أخرى، لم يشارك مسؤولو أسرة تشينغ في عملية الترجمة هذه بشكل سلبي. لقد طالبوا بتعديلات بلاغية في النقاط التي تعارض فيها السرد الحضاري لمارتن مواقفهم السياسية، وقام بعض المتعاونين بتقليص معاني المصطلحات أو تحويلها إلى مفردات تقليدية أثناء عملية الترجمة، مما أدى إلى مقاومة وتنازلات متوازية.96) طبعة وولسي، المرجع السابق، ص 12-14.
97) ويليام أ. ب. مارتن، A Cycle of Cathay، ص 283. 98) ماريا أديل كاري، المرجع السابق، ص 217-222. بدلاً من قبول رؤية العالم للقانون الطبيعي المسيحي التي اقترحها مارتن دون نقد، حاولوا إعادة تفسيرها من خلال مفردات كونفوشيوسية مثل "العام (公)" و "العدل (義)"، وبناء نظام معاني جديد ضمن لغة الترجمة.100) 100) رون سارفيرود، المرجع السابق، ص 145-150.
كانت الكلمة المترجمة التي تم اختيارها نتيجة لهذه التعديلات هي "萬國" (جميع الدول). كان "萬國" مساحة لغوية رمزية تم بناؤها من خلال التنازل المتبادل بين خطاب الحضارة العالمي الذي سعى إليه مارتن والنظام التقليدي الذي سعى مسؤولو أسرة تشينغ إلى حمايته. وهذا يوضح أن "萬國" لم تُستخدم ببساطة كبديل مكاني لـ "international"، بل كانت قرارًا بلاغيًا ناتجًا عن تسوية بين نظريات الحضارة والواقع السياسي. (3) الترجمة الإبداعية وتصور النظام
لم يكن تعبير "萬國" (جميع الدول) مجرد استعارة للمفردات. لقد كان نتاج ترجمة إبداعية هدفت إلى تنظيم هياكل الفكر بشكل جديد في ظل الفراغ المعجمي للغة الصينية في ذلك الوقت. في منتصف القرن التاسع عشر، لم تكن هناك كلمة في اللغة الصينية يمكن أن تشمل بدقة مفهوم "international". لم يكن مصطلح "國際" (دولي) قد تم اختراعه بعد، ولم يظهر إلا في عام 1873 عندما ابتكر ميتسوكوري رينشو الياباني مصطلح "國際法" (القانون الدولي) لأول مرة.101) في المقابل، اختار المترجمون الصينيون استراتيجية إبداعية لسد فجوات الفكر ضمن الموارد اللغوية الموجودة.
كان "萬國" (جميع الدول) تعبيرًا موجودًا في الأصل، ولكن في عملية ترجمة "萬國公法" (القانون العام لجميع الدول)، أعيد تفسير هذا المصطلح التقليدي في سياق جديد. لم يستخدم المترجمون "萬國" كأداة بلاغية بسيطة، بل قاموا بإعادة ترتيبها في شكل مقبول لاستيعاب المفاهيم الغربية. لم يكن الأمر يتعلق بـ "اختيار الكلمات"، بل بإنشاء كلمات جديدة لاحتواء المعاني. كانت هذه العملية، كما يشير سارفيرود، محاولة لـ "الابتكار الدلالي" (semantic innovation) لوضع مفاهيم جديدة ضمن المفردات الموجودة102)، وخلالها، ولدت أيضًا مصطلحات جديدة مثل "السيادة (主權)" و "القانون العام (公法)" و "التدخل (干涉)".103) 99) يان، تسو-تينغ، المرجع السابق، ص 37-39. 100) رون سارفيرود، المرجع السابق، ص 145-150. 101) هان سانغ هي، المرجع السابق، ص 202-203.
لم تكن هذه الترجمة الإبداعية مجرد براعة لغوية، بل كانت نتاجًا لتصور النظام. سعى المترجمون إلى موازنة الفضاء التقليدي "العالم" (天下) مع نظام الدول الغربي من خلال إعادة سياق المفردات الكونفوشيوسية (مثل "العدل (義)"، "المبدأ (理)"، "العام (公)"). كان "萬國" مفهومًا هجينًا يعبر عن كل من العالم الأخلاقي غير المحدود (天下) والنظام القانوني للدول المتعددة (international system). كما يقول تشيغوانغ ين، كانت هذه الترجمة ليست مجرد مقابلة (transposition)، بل نتيجة لمفاوضات في مساحة مفاهيمية تشهد صراعات سياسية وفلسفية.104)
باختصار، في غياب تعبير "دولي"، حاول المترجمون إعادة بناء النظام الدولي الغربي بلغة نظام العالم من خلال استخدام تعبير "جميع الدول"، وهو ما يمثل ترجمة إبداعية. لم يكن هذا مجرد اختيار للكلمات، بل كان نتيجة للخيال البلاغي لتشكيل نظام سياسي جديد، مما يشير إلى أن المترجمين في ذلك الوقت لم يكونوا مجرد وسطاء، بل كانوا فاعلين في إنتاج المفاهيم.
خامسًا. الخاتمة
قام هذا البحث بتحليل سبب ترجمة "international" في "萬國公法" إلى "萬國" (جميع الدول) بدلاً من "國際" (دولي)، ليس كمجرد مسألة اختيار مفردات، بل ضمن هيكل يتضمن تصادم وتفاوض تصورات النظام وتعديلات المترجمين الفكرية. كانت هذه العملية سلسلة من التوترات التاريخية الفكرية والسياسية التي أدت إلى تصادم بين النظام العالمي الكونفوشيوسي "العالم" (天下) ونظام الدول المتساوية للقانون الدولي الغربي، والمفاوضات بين مارتن ومسؤولي أسرة تشينغ، وتعديل البدائل اللغوية، والاختيار النهائي لمصطلح "萬國" (جميع الدول). 102) رون سارفيرود، المرجع السابق، ص 153-157. 103) يان، تسو-تينغ، المرجع السابق، ص 45-48. 104) تشيغوانغ ين، المرجع السابق، ص 11-13.
أولاً، كان اعتماد "萬國" (جميع الدول) بدلاً من "國際" (دولي) ناتجًا عن تصادم تصورات مختلفة للنظام العالمي، وليس مجرد مسألة لغوية. ردت الصين في أواخر عهد أسرة تشينغ على النظرة العالمية التي ترتكز على الحدود التي يفترضها نظام الدول الغربي، برد يتمثل في الفضاء غير المحدود لنظام "العالم" (天下). وبهذا المعنى، كان "萬國" تعبيرًا يقع على امتداد متصل لنظام "العالم" (天下)، ونتيجة لإعادة تنظيم المعنى في سياق دولي جديد.
ثانيًا، كانت ساحة الترجمة ليست مجرد نقل للمعنى، بل كانت ساحة للمفاوضات الثقافية والسياسية. سعى مارتن إلى جعل القانون الطبيعي المسيحي نظامًا عالميًا ونقله إلى الصين، لكن مسؤولي أسرة تشينغ أعادوا تعديله من خلال المفردات وهياكل الفكر التقليدية. كما تشير ماريا أديل كاري، كانت ترجمة مارتن "فعلًا سياسيًا حاول ربط التقليد الصيني بالقانون الدولي الغربي"، وكانت النتيجة تسوية وليست تصادمًا.105)
ثالثًا، كان اعتماد مصطلح الترجمة "萬國" (جميع الدول) محاولة وسطى لاستيعاب النظام الجديد مع الحفاظ على اللغة الكونفوشيوسية، بدلاً من التخلي عن النظام القائم. توضح أمثلة مثل شرح "القانون العام (公法)" على أنه "قانون غير احتكاري تتبعه جميع الدول"، وإعادة سياق "السيادة (主權)" على أنها نظام مشترك وليست سلطة حاكم، أن الترجمة لم تكن مجرد مقابلة متكافئة، بل كانت ساحة لابتكار المفاهيم. بتعبير تشيغوانغ ين، الترجمة هي "بناء العالمية"، وكانت مساحة تفاوض بين النظام الصيني والنظام الغربي.106) 105) ماريا أديل كاري، المرجع السابق، ص 219. 106) تشيغوانغ ين، المرجع السابق، ص 11-13.
خلاصة القول، لم يكن مصطلح "萬國" (جميع الدول) مجرد راحة لغوية، بل كان نتاجًا لتصور النظام الذي ظهر في نقطة تحول الفكر في شرق آسيا. وعمل هذا المصطلح، بطريقة مختلفة عن المركزية القومية للدولة التي يحملها مصطلح "دولي (國際)"، كلغة سياسية تسمح بقبول النظام الجديد مع الحفاظ على التقاليد الصينية. لذلك، يساهم هذا البحث بشكل كبير في استكشاف الحداثة الصينية وتاريخ المفاهيم في شرق آسيا، من خلال استعادة الجوانب الداخلية لبناء النظام عبر الترجمة، بدلاً من مجرد التركيز على الجوانب الخارجية لاستيعاب "القانون الدولي".
حلل هذا البحث حدث ترجمة مفهوم "international" في "萬國公法" إلى "萬國" (جميع الدول) ليس كمجرد اختيار لغوي، بل كمشهد حاسم في التحول التاريخي الفكري. كان هذا محاولة لاستعادة كيفية إعادة بناء المفكرين الصينيين للنظام العالمي التقليدي وتصورهم لنظام مفاهيمي جديد، متجاوزين إطار التاريخ المؤسسي الخارجي لاستيعاب النظام الدولي الحديث.
ينبع تعبير "萬國" (جميع الدول) من تصور مكاني مختلف عن "國際 (دولي)" الذي يشير إلى نظام الدول الحديثة. إنه تعبير موسع عن رؤية "العالم" (天下) التي تفترض عالمية غير محدودة، وكان اختيارًا لغويًا استراتيجيًا سعت من خلاله أسرة تشينغ إلى الحفاظ على نظامها الهرمي والحضاري الخاص بها مع قبول نظام المساواة الدولي الغربي في نفس الوقت. كما يشير وانغ هوي، عمل "萬國" كلغة عالمية شرق آسيوية ضمن نظام مكاني متصل يمتد من "العالم (天下)" إلى "萬邦" (جميع المناطق) ثم إلى "萬國" (جميع الدول) (Wang, 2023, p. 81).
علاوة على ذلك، لم تكن مفاهيم القانون الدولي المترجمة مجرد عملية تقنية للبحث عن كلمات مقابلة، بل كانت عملية إعادة بناء للنظام السياسي والأخلاقي من خلال إعادة سياق المفاهيم. على سبيل المثال، تم إعادة ترجمة "القانون العام (公法)" من خلال تعبير "公者, 非一國所得私也" (العام، لا يمكن أن تحتكره دولة واحدة) بلغة الكونفوشيوسية عن المصلحة العامة والنظام الأخلاقي، بدلاً من العالمية المستندة إلى القانون الطبيعي المسيحي. وهذا مثال يوضح أن مفهوم "القانون العام" نفسه قد تم تنظيمه بشكل جديد وذو مغزى ضمن سياق "العام (公)" و "العدل (義)" و "المبدأ (理)" في التقليد الصيني. أدت هذه الأفعال الترجمية في النهاية إلى حركة فكرية معقدة قامت بهضم ومقاومة وتعديل نظام القانون الدولي الغربي ضمن إطار اللغة والمفاهيم الصينية. يحلل مينغكيان لي هذا قائلاً: "الترجمة هي محاولة لاستيعاب وتعديل وإعادة بناء نظام القانون الغربي ضمن هياكل الفكر الصينية"، مؤكدًا أنها كانت ساحة لإنتاج المعنى تتجاوز مجرد "ما قبل اللغة" (Li, 2023, pp. 115–117).
نتيجة لذلك، أظهر هذا البحث بشكل عملي أن ساحة الترجمة في أواخر عهد أسرة تشينغ لم تكن مجرد استيعاب، بل كانت إعادة تنظيم للنظام شرق الآسيوي. وهذا يوفر استمرارية تاريخية للطريقة التي تتبناها الصين اليوم في استيعاب القانون الدولي وإعادة تفسيره، كما يوفر أدلة نظرية لشرح الأصول الثقافية للخطابات الحديثة مثل "مجتمع مصير مشترك للبشرية". الترجمة كانت ولا تزال، في الماضي والحاضر، جهازًا لبناء النظام وممارسة لبناء الهوية. <المراجع> بانو، ماساتاكا. 1964. "الصين والغرب، 1858-1861: أصول مكتب تسونغلي". كامبريدج، ماساتشوستس: مطبعة جامعة هارفارد.
أصول مكتب تسونغلي". كامبريدج، ماساتشوستس: مطبعة جامعة هارفارد.
جامعة هارفارد.
كاو، ديبورا. 2007. "ترجمة القانون". المجلد 33. الشؤون متعددة اللغات.
شؤون متعددة اللغات.
كاري، م. أ. 2020. "سياسة التاريخ في أواخر عهد أسرة تشينغ".
العصر: ويليام أ. ب. مارتن وتاريخ القانون الدولي للصين". مجلة تاريخ القانون الدولي/مجلة تاريخ القانون الدولي، 22(2-3)، 269-305. داسبريمون، جان. 2021، "ما بعد المعنى: أشكال القانون الدولي".
القانون الدولي". إدوارد إلغار للنشر.
القانون الدولي". إدوارد إلغار للنشر.
الذين قدموا إطارًا لدورة إليزابيث أمام الناس. "
إدوارد إلغار للنشر.
دي لا راسيا، إغناسيو، وشينغيان كاي، محرران. 2024. "دليل كامبريدج للصين والقانون الدولي".
دليل كامبريدج للصين والقانون الدولي". مطبعة جامعة كامبريدج.
دينغ سي يو وجون ك. فيربانك، 1954. دليل البحث لاستجابة الصين للغرب. مطبعة جامعة هارفارد. هان سانغ هي. 2010.: تداول المصطلحات القانونية الدولية في شرق آسيا."
دينغ سييو وجون ك. فيربانك، 1954. دليل البحث لـ
هان سانغ هي. 2010.: تداول المصطلحات القانونية الدولية في شرق آسيا."
في شرق آسيا."
لي، مينغ كيان. 2021. "نهج لغوي لمواجهة الصين في أواخر عهد أسرة تشينغ مع القانون الدولي". تقاطعات: دراسات حول تاريخ علاقات التبادل في عالم شرق آسيا 21: 35-58.
العالم 21: 35-58.
العالم 21: 35-58.
ليو، ليديا هـ. 2022. "الممارسة عبر اللغات: الأدب والثقافة الوطنية والحداثة المترجمة - مرحبًا". 1900-1937.
مرحبًا". 1900-1937.
ستانفورد: مطبعة جامعة ستانفورد.
مارتن، ويليام أ. ب. 1898. "دورة كاثاي السعيدة، أو الصين، جنوبًا وشمالًا، مع ذكريات شخصية". نيويورك: شركة فليمنغ هـ. ريفيل.
الصين، جنوبًا وشمالًا، مع ذكريات شخصية". نيويورك: شركة فليمنغ هـ. ريفيل.
مارتن، ويليام أ. ب. 1908. "صحوة الصين".
صحوة الصين".
المراجعة السياسية الأمريكية 2، 4: 633-670.
سارفيرود، رون. 2007. "القانون الدولي كنظام عالمي في أواخر الصين الإمبراطورية: الترجمة والاستقبال والخطاب، 1847-1911". ليدن: بريل.
الاستقبال والخطاب، 1847-1911". ليدن: بريل.
الخطاب، 1847-1911". ليدن: بريل.
تحديث، سي. إل. "مجلة قانون تشينغهوا الصيني".
وانغ، هـ. 2023. "صعود الفكر الصيني الحديث". مطبعة جامعة هارفارد.
مطبعة جامعة هارفارد.
يان، ت. ت. 2011. "دراسة عن الترجمة النشطة للعمال في أواخر عهد أسرة تشينغ".
أطروحات جامعة هونغ كونغ عبر الإنترنت (HKUTO).
ين، تشي جوانج. 2016. “المبادئ السماوية؟ ترجمة
القانون الدولي في الصين في القرن التاسع عشر ودستور
العالمية.” ورقة عمل، جامعة إكستر.
*هذا النص ترجمة بالذكاء الاصطناعي لنص أصلي مكتوب باللغة الكورية. قد تتضمن بعض الترجمات أو الفروق الدقيقة أخطاء.